وَإِنْ قِيلَ : فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَدْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِالِانْتِقَالِ عَنْ الْكُفْرِ فَهُوَ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ لَا يَعْبُدُ مَا عَبَدُوهُ قِيلَ : فَعَلَى هَذَا لَا يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا عَبَدْت فِي الْمَاضِي بَلْ قَدْ يَعْبُدُونَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إذَا انْتَقَلُوا رَبَّهُ الَّذِي عَبَدَهُ فِيمَا مَضَى .
وَإِنْ قِيلَ : قَوْلُ هَؤُلَاءِ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لَا أَعْبُدُ فِي الْحَالِ مَا تَعْبُدُونَ فِي الْحَالِ وَلَا أَعْبُدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا تَعْبُدُونَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قِيلَ : وَلَفْظُ الْآيَةِ { وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ } لَيْسَ لَفْظُهَا " وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا تَعْبُدُونَ " .
فَقَوْلُهُ : { مَا عَبَدْتُمْ } إنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَاضِي الَّذِي أَرَادَهُ هَؤُلَاءِ فَسَدَ الْمَعْنَى وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُسْتَقْبَلُ بَطَلَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْمُضَارِعَ بِمَعْنَى الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ : { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } فَإِنَّ الْمَاضِيَ هُنَا بِمَعْنَى الْمُضَارِعِ .
فَإِذَا كَانَ الْمُضَارِعُ مُطَابِقاً لَهُ بَقِيَ مُضَارِعاً لَمْ يُنْقَلْ إلَى الْمَاضِي فَيَكُونُ عَكْسَ الْمَقْصُودِ .
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ الَّذِي ذَكَرَهُ قَوْلُ مَنْ جَعَلَ " مَا " مَصْدَرِيَّةً فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُخْرَى .
وَهَذَا أَيْضاً لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا .
وَإِذَا جُعِلَتْ فِي الْجُمَلِ كُلِّهَا مَصْدَرِيَّةً كَانَ أَقْرَبَ إلَى الصَّوَابِ مَعَ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ " مَا " الْمَصْدَرِيَّةُ حَاصِلٌ بِقَوْلِهِ " مَا " .
فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ " وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مِنْ أَعْبُدُ " بَلْ قَالَ { مَا أَعْبُدُ } .
مجموعة الفتاوى — صفحة 549
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٤٩