وَمِثْلُ هَذَا التَّفْسِيرِ يَقَعُ كَثِيراً فِي كَلَامِ مَنْ يَأْتِي بِمُجْمَلِ مِن القَوْلِ يُبَيِّنُ مَعْنًى دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَلَا يُفَسِّرُهَا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِن التَّفْسِيرِ .
فَإِنَّ قَوْلَهُمْ " تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ " .
هُوَ تَرْكُهُمْ لِلْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ فَصَارَ الْأَوَّلُ هُوَ الثَّانِي .
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ } .
فَهُنَا شَيْئَانِ : نِسْيَانُهُمْ لِلَّهِ ثُمَّ نِسْيَانُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ الَّذِي عُوقِبُوا بِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ لَكِنَّهُ تَفْصِيلٌ مُجْمَلٌ كَقَوْلِهِ { وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } وَهَذَا هُوَ هَذَا ؛ قِيلَ : هُوَ لَمْ يَقُلْ " نَسُوا اللَّهَ فَنَسُوا حَظَّ أَنْفُسِهِمْ " حَتَّى يُقَالَ : هَذَا هُوَ هَذَا بَلْ قَالَ { نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ } فَثَمَّ إنْسَاءٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْأَوَّلُ لَكَانَ قَدْ ذَكَرَ مَا يَعْذُرُهُمْ بِهِ لَا مَا يُعَاقِبُهُمْ بِهِ .
فَلَوْ كَانَ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ لَكَانَ : { نَسُوا اللَّهَ } أَيْ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِطَاعَتِهِ فَهُوَ الَّذِي أَنْسَاهُمْ ذَلِكَ .
وَمَعْلُومٌ فَسَادُ هَذَا الْكَلَامِ لَفْظاً وَمَعْنًى .
وَلَوْ قِيلَ : { نَسُوا اللَّهَ } أَيْ نَسُوا أَمْرَهُ { فَأَنْسَاهُمْ } الْعَمَلَ بِطَاعَتِهِ أَيْ تَذَكُّرَهَا لَكَانَ أَقْرَبَ وَيَكُونُ النِّسْيَانُ الْأَوَّلُ عَلَى بَابِهِ .
فَإِنَّ مَنْ نَسِيَ نَفْسَ أَمْرِ اللَّهِ لَمْ يُطِعْهُ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 351
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٥١