وَلَكِنَّ هُمْ فَسَّرُوا نِسْيَانَ اللَّهِ بِتَرْكِ أَمْرِهِ .
وَأَمْرُهُ الَّذِي هُوَ كَلَامُهُ لَيْسَ مَقْدُوراً لَهُمْ حَتَّى يَتْرُكُوهُ إنَّمَا يَتْرُكُونَ الْعَمَلَ بِهِ فَالْأَمْرُ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِهِ .
إلَّا أَنْ يُقَالَ : مُرَادُهُمْ بِتَرْكِ أَمْرِهِ هُوَ تَرْكُ الْإِيمَانِ بِهِ .
فَلَمَّا تَرَكُوا الْإِيمَانَ أَعْقَبَهُمْ بِتَرْكِ الْعَمَلِ .
وَهَذَا أَيْضاً ضَعِيفٌ فَإِنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي تَرَكُوهُ إنْ كَانَ هُوَ تَرْكُ التَّصْدِيقِ فَقَطْ فَكَفَى بِهَذَا كُفْراً وَذَنْباً .
فَلَا تُجْعَلُ الْعُقُوبَةُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهِ بَلْ هَذَا أَشَدُّ .
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ تَرْكَ الْإِيمَانِ تَصْدِيقاً وَعَمَلاً فَهَذَا هُوَ تَرْكُ الطَّاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَهَؤُلَاءِ أَتَوْا مِنْ حَيْثُ أَرَادُوا أَنْ يُفَسِّرُوا نِسْيَانَ الْعَبْدِ بِمَا قِيلَ فِي نِسْيَانِ الرَّبِّ وَذَاكَ قَدْ فُسِّرَ بِالتَّرْكِ .
فَفَسَّرُوا هَذَا بِالتَّرْكِ .
وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدِ فَإِنَّ النِّسْيَانَ الْمُنَاقِضَ لِلذِّكْرِ جَائِزٌ عَلَى الْعَبْدِ بِلَا رَيْبٍ .
وَالْإِنْسَانُ يُعْرِضُ عَمَّا أُمِرَ بِهِ حَتَّى يَنْسَاهُ فَلَا يَذْكُرُهُ .
فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَجْعَلَ نِسْيَانَهُ تَرْكاً مَعَ اسْتِحْضَارٍ وَعِلْمٍ .
وَأَمَّا الرَّبُّ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يُنَاقِضُ صِفَاتِ كَمَالِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
وَفِي تَفْسِيرِ نِسْيَانِهِ الْكُفَّارَ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ نَظَرٌ .
ثُمَّ هَذَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى { كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا }
مجموعة الفتاوى — صفحة 352
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٥٢