وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا : فَالْحَسَنَاتُ الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا كُلُّهَا وُجُودِيَّةٌ ، نِعْمَةً مِن اللَّهِ تَعَالَى وَمَا أَحَبَّتْهُ النَّفْسُ مِنْ ذَلِك ، وَكَرِهَتْهُ مِن السَّيِّئَاتِ : فَهُوَ الَّذِي حَبَّبَ الْإِيمَانَ إلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ .
وَكَرَّهَ إلَيْهِمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ .
فَصْلٌ :
وَأَمَّا السَّيِّئَاتُ : فَمَنْشَؤُهَا الْجَهْلُ وَالظُّلْمُ .
فَإِنَّ أَحَداً لَا يَفْعَلُ سَيِّئَةً قَبِيحَةً إلَّا لِعَدِمِ عِلْمِهِ بِكَوْنِهَا سَيِّئَةً قَبِيحَةً ، أَوْ لِهَوَاهُ وَمَيْلِ نَفْسِهِ إلَيْهَا .
وَلَا يَتْرُكُ حَسَنَةً وَاجِبَةً إلَّا لِعَدِمِ عِلْمِهِ بِوُجُوبِهَا ، أَوْ لِبُغْضِ نَفْسِهِ لَهَا .
وَفِي الْحَقِيقَةِ : فَالسَّيِّئَاتُ كُلُّهَا تَرْجِعُ لِلْجَهْلِ .
وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ عَالِماً عِلْماً نَافِعاً بِأَنْ فِعْلَ هَذَا يَضُرُّهُ ضَرَراً رَاجِحاً لَمْ يَفْعَلْهُ .
فَإِنَّ هَذَا خَاصِّيَّةُ الْعَاقِلِ .
وَلِهَذَا إذَا كَانَ مِن الحَسَنَاتِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَضُرُّهُ ضَرَراً رَاجِحاً ، كَالسُّقُوطِ مِنْ مَكَانٍ عَالٍ ، أَوْ فِي نَهَرٍ يُغْرِقُهُ ، أَوْ الْمُرُورِ بِجَنْبِ حَائِطٍ مَائِلٍ ، أَوْ دُخُولِ نَارٍ مُتَأَجِّجَةٍ ، أَوْ رَمْيِ مَالِهِ فِي الْبَحْرِ وَنَحْوِ ذَلِك ،
مجموعة الفتاوى — صفحة 287
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٧