تَرَكَ الْمَحْظُورَ إلَّا عَلَى تَرْكٍ يَقُومُ بِنَفْسِهِ .
وَتَارِكُ الْمَأْمُورِ : إنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكٍ يَقُومُ بِنَفْسِهِ .
وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفِعْلِ فَيَمْتَنِعُ .
فَهَذَا الِامْتِنَاعُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ .
وَلِذَلِك فَهُوَ يَشْتَغِلُ عَمَّا أُمِرَ بِهِ بِفِعْلِ ضِدِّهِ ، كَمَا يَشْتَغِلُ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ بِعِبَادَةِ غَيْرِهِ .
فَيُعَاقَبُ عَلَى ذَلِك .
وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَعْبُدْ اللَّهَ وَحْدَهُ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَابِداً لِغَيْرِهِ .
يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَيَكُونُ مُشْرِكاً .
وَلَيْسَ فِي بَنِي آدَمَ قِسْمٌ ثَالِثٌ .
بَلْ إمَّا مُوَحِّدٌ ، أَوْ مُشْرِكٌ ، أَوْ مَنْ خَلَطَ هَذَا بِهَذَا كَالْمُبَدِّلِينَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ : النَّصَارَى وَمَنْ أَشَبَهَهُمْ مِن الضُّلَّالِ ، الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } { إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } { إنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } وَقَدْ قَالَ تَعَالَى { إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ } لَمَّا قَالَ إبْلِيسُ { لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } { إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } قَالَ تَعَالَى { إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ } .
فَإِبْلِيسُ لَا يُغْوِي الْمُخْلَصِينَ .
وَلَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ .
إنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الْغَاوِينَ .
وَهُمْ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ، وَهُمْ الَّذِينَ بِهِ مُشْرِكُونَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 282
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٢