وَقَدْ بَسَطْت الْقَوْلَ عَلَى هَذَا وَبَيَّنْت كَلَامَهُمْ فِي ذَلِكَ وَتَنَاقُضَهُمْ وَأَنَّ مَا أَخْرَجُوهُ يَخْرُجُ بِهِ مَا يَنَالُ بِهِ أَشْرَفَ الْعُلُومِ مِن العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ وَالْعُلُومِ الْعَمَلِيَّةِ وَلَا يَبْقَى بِأَيْدِيهِمْ إلَّا أُمُورٌ مُقَدَّرَةٌ فِي الْأَذْهَانِ لَا حَقِيقَةَ لَهَا فِي الْأَعْيَانِ .
وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ لَا يَتَّسِعُ لِحِكَايَةِ أَلْفَاظِهِمْ فِي هَذَا وَمَا أَوْرَدْته عَلَيْهِمْ لَذَكَرْته فَقَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَوَاضِعِهِ مِن العُلُومِ الْكُلِّيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ فَإِنَّهَا هِيَ الْمَطْلُوبَةُ .
وَالْكَلَامُ فِي " الْمَنْطِقِ " إنَّمَا وَقَعَ لَمَّا زَعَمُوا أَنَّهُ آلَةٌ قَانُونِيَّةٌ تَعْصِمُ مُرَاعَاتُهَا الذِّهْنَ أَنْ يَزَلَّ فِي فِكْرِهِ فَاحْتَجْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي هَذِهِ الْآلَةِ .
هَلْ هِيَ كَمَا قَالُوا ؛ أَوْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؟ وَمِنْ شُيُوخِهِمْ مَنْ إذَا بُيِّنَ لَهُ مِنْ فَسَادِ أَقْوَالِهِمْ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ ضَلَالُهُمْ وَعَجَزَ عَنْ دَفْعِ ذَلِكَ يَقُولُ : هَذِهِ عُلُومٌ قَدْ صَقَلَتْهَا الْأَذْهَانُ أَكْثَرَ مِن الفِ سَنَةٍ وَقَبِلَهَا الْفُضَلَاءُ .
فَيُقَالُ لَهُ عَنْ هَذَا أَجْوِبَةٌ :
أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ .
فَمَا زَالَ الْعُقَلَاءُ الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ وَيُبَيِّنُونَ خَطَأَهُمْ وَضَلَالَهُمْ .
فَأَمَّا الْقُدَمَاءُ فَالنِّزَاعُ بَيْنَهُمْ كَثِيرٌ مَعْرُوفٌ وَفِي كُتُبِ أَخْبَارِهِمْ وَمَقَالَاتِهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ .
فَأَمَّا أَيَّامُ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ كَلَامَ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ فِي بَيَانِ فَسَادِ مَا أَفْسَدُوهُ مِنْ أُصُولِهِمْ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ بَلْ وَالطَّبِيعِيَّةِ وَالرِّيَاضِيَّةِ كَثِيرٌ قَدْ صَنَّفَ فِيهِ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى الرَّافِضَةِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 194
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٤