( الرَّابِعُ ) : أَنْ يُقَالَ : فَهَبْ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ .
فَهَذِهِ الْعُلُومُ عَقْلِيَّةٌ مَحْضَةٌ لَيْسَ فِيهَا تَقْلِيدٌ لِقَائِلِ وَإِنَّمَا تُعْلَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُصَحَّحَ بِالنَّقْلِ ؛ بَلْ وَلَا يُتَكَلَّمَ فِيهَا إلَّا بِالْمَعْقُولِ الْمُجَرَّدِ فَإِذَا دَلَّ الْمَعْقُولُ الصَّرِيحُ عَلَى بُطْلَانِ الْبَاطِلِ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ رَدُّهُ ؛ فَإِنَّ أَهْلَهَا لَمْ يَدَّعُوا أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عَنْ شَيْءٍ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ بَلْ عَنْ عَقْلٍ مَحْضٍ فَيَجِبُ التَّحَاكُمُ فِيهَا إلَى مُوجِبِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ .
فَصْلٌ :
وَقَدْ احْتَجُّوا بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ دُونَ الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ قِيَاسُ الشُّمُولِ وَأَنَّ قِيَاسَ التَّمْثِيلِ دُونَ الِاسْتِقْرَاءِ فَقَالُوا : إنَّ قِيَاسَ التَّمْثِيلِ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ جُزْئِيّاً بِخِلَافِ الِاسْتِقْرَاءِ فَإِنَّهُ قَدْ يُفِيدُ الْيَقِينَ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ إلَّا كُلِّيّاً .
قَالُوا : وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ هُوَ الْحُكْمُ عَلَى كُلِّيٍّ بِمَا تَحَقَّقَ فِي جُزْئِيَّاتِهِ فَإِنْ كَانَ فِي جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ كَانَ الِاسْتِقْرَاءُ تَامّاً كَالْحُكْمِ عَلَى الْمُتَحَرِّكِ بِالْجِسْمِيَّةِ لِكَوْنِهَا مَحْكُوماً بِهَا عَلَى جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِ الْمُتَحَرِّكِ مِن الجَمَادِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالنَّاقِصِ كَالْحُكْمِ عَلَى الْحَيَوَانِ بِأَنَّهُ إذَا أَكَلَ تَحَرَّكَ فَكُّهُ الْأَسْفَلُ عِنْدَ الْمَضْغِ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِي أَكْثَرِ جُزْئِيَّاتِهِ .
وَلَعَلَّهُ فِيمَا لَمْ يُسْتَقْرَأْ عَلَى خِلَافِهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 196
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٦