مَا قَوْلُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الرَّاسِخِينَ فِي جَذْرِ الْكَلَامِ الباسقين فِي فَنِّ الْأَحْكَامِ حَيَّاكُمْ الْعَلَّامُ فِي صُدُورِ دَارِ السَّلَامِ ؛ وَحَبَاكُمْ الْقَيَّامُ بِتَوْضِيحِ مَا اسْتَبْهَمَ عَلَى الْأَفْهَامِ فِي مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ .
نَضَّرَ اللَّهُ أَرْوَاحَ السَّلَفِ وَكَثَّرَ أَعْدَادَ الْخَلَفِ وَأَمَدَّهُمْ بِأَنْوَاعِ اللطف .
بِأَنَّ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ مِن العِبَادِ تَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِخَلْقِ الْعَبْدِ فَحَقِيقَةُ كَسْبِ الْعَبْدِ مَا هِيَ ؟ وَبَعْدُ هَذَا هَلْ هُوَ مُؤَثِّرٌ فِي وُجُودِ الْفِعْلِ ؟ أَمْ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ ؟ .
فَإِنْ كَانَ فَيَصِيرُ الْعَبْدُ مُشَارِكاً لِلْخَالِقِ فِي خَلْقِ الْفِعْلِ فَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ كَاسِباً ؛ بَلْ شَرِيكاً خَالِقاً - وَأَهْلُ السُّنَّةِ بَرَرَةٌ بُرَآءُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّراً فِي وُجُودِ الْفِعْلِ فَقَدْ وُجِدَ الْفِعْلُ بِكَمَالِهِ بِالْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ فَلَزِمَ الْجَبْرُ الَّذِي يَطْوِي بِسَاطَ الشَّرْعِ وَأَهْلُ السُّنَّةِ الْغَرَّاءِ وَالْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ فَارُّونَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الشَّنْعَاءِ وَالْعَقِيدَةِ الْعَوْرَاءِ .
وَلَمْ يُنْسَبْ إلَى الْعَبْدِ الطَّاعَةُ وَالْعِصْيَانُ وَالْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْغَضَبَ وَالرِّضْوَانَ .
فَكَيْفَ السُّلُوكُ أَيُّهَا الْهُدَاةُ الْأَدِلَّاءُ عَلَى اللَّحْبِ الْمُسْتَقِيمِ وَالْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ ؟ وَطَرَفِي قَصَدَ الْأُمُورَ ذَمِيمٌ .
فَبَيِّنُوا بَيَاناً يُطْلِقُ الْعُقُولَ مِنْ هَذَا الْعِقَالِ وَيَشْفِي الْقُلُوبَ مِنْ هَذَا الدَّاءِ الْعُضَالِ .
أَيَّدَكُمْ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَنْ لَهُ صِفَاتُ الْكَمَالِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 386
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٨٦