وَالْمَقَامُ الثَّانِي : فِي تَحْرِيرِ السُّؤَالِ وَجَوَابِهِ - وَهُوَ أَنْ يُقَالَ هَلْ قُدْرَةُ الْعَبْدِ الْمَخْلُوقَةِ مُؤَثِّرَةٌ فِي وُجُودِ فِعْلِهِ فَإِنْ كَانَتْ مُؤَثِّرَةً لَزِمَ الشِّرْكُ ؛ وَإِلَّا لَزِمَ الْجَبْرُ وَالْمَقَامُ مَقَامٌ مَعْرُوفٌ ؛ وَقَفَ فِيهِ خَلْقٌ مِن الفَاحِصِينَ وَالْبَاحِثِينَ وَالْبُصَرَاءِ وَالْمُكَاشِفِينَ وَعَامَّتُهُمْ فَهِمُوا صَحِيحاً .
وَلَكِنْ قَلَّ مِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ فَصِيحاً .
فَنَقُولُ : التَّأْثِيرُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ قَدْ يُرَادُ بِالتَّأْثِيرِ الِانْفِرَادُ بِالِابْتِدَاعِ وَالتَّوْحِيدِ بِالِاخْتِرَاعِ فَإِنْ أُرِيدَ بِتَأْثِيرِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ هَذِهِ الْقُدْرَةُ فَحَاشَا لِلَّهِ لَمْ يَقُلْهُ سُنِّيٌّ وَإِنَّمَا هُوَ الْمَعْزُوُّ إلَى أَهْلِ الضَّلَالِ .
وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّأْثِيرِ نَوْعُ مُعَاوَنَةٍ إمَّا فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ .
أَوْ فِي وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِهِ كَمَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْإِثْبَاتِ .
فَهُوَ أَيْضاً بَاطِلٌ بِمَا بِهِ بَطَلَ التَّأْثِيرُ فِي ذَاتِ الْفِعْلِ ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إضَافَةِ الِانْفِرَادِ بِالتَّأْثِيرِ إلَى غَيْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي ذَرَّةٍ أَوْ فِيلٍ .
وَهَلْ هُوَ إلَّا شِرْكٌ دُونَ شِرْكٍ وَإِنْ كَانَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَا نَحَا إلَّا نَحْوَ الْحَقِّ .
وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّأْثِيرِ أَنَّ خُرُوجَ الْفِعْلِ مِن العَدَمِ إلَى الْوُجُودِ كَانَ بِتَوَسُّطِ الْقُدْرَةِ الْمُحْدَثَةِ .
بِمَعْنَى أَنَّ الْقُدْرَةَ الْمَخْلُوقَةَ هِيَ سَبَبٌ وَوَاسِطَةٌ فِي خَلْقِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - الْفِعْلَ بِهَذِهِ الْقُدْرَةِ .
كَمَا خَلَقَ النَّبَاتَ بِالْمَاءِ وَكَمَا خَلَقَ الْغَيْثَ بِالسَّحَابِ .
وَكَمَا خَلَقَ جَمِيعَ الْمُسَبَّبَاتِ وَالْمَخْلُوقَاتِ بِوَسَائِطَ وَأَسْبَابٍ فَهَذَا حَقٌّ
مجموعة الفتاوى — صفحة 389
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٨٩