الْكَمَالِ ؛ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ وَلَا يُوصَفُ بِهِ إلَّا هُوَ .
وَهُوَ سُبْحَانَهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ؛ فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ إلَّا بِهِ وَهُوَ الْإِلَهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَعْبُدَ إلَّا هُوَ فَمَا لَا يَكُونُ بِهِ لَا يَكُونُ ؛ وَمَا لَا يَكُونُ لَهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَدُومُ وَكُلُّ عَمَلٍ لَمْ يُرَدْ بِهِ وَجْهُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ ؛ { إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } .
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمُسْلِمَ مُسْلِماً ؛ وَالْمُصَلِّيَ مُصَلِّياً وَالتَّائِبَ تَائِباً وَالْحَامِدَ حَامِداً فَإِذَا يَسَّرَ عَبْدَهُ لِلْيُسْرَى فَتَابَ إلَيْهِ وَفَرِحَ اللَّهُ بِتَوْبَتِهِ وَشَكَرَهُ فَرَضِيَ بِشُكْرِهِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأَحَبَّهُ ؛ لَمْ يَكُنْ الْمَخْلُوقُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْخَالِقَ رَاضِياً مُحِبّاً فَرِحاً بِتَوْبَتِهِ ؛ بَلْ الرَّبُّ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمَخْلُوقَ فَاعِلاً لِمَا يُفْرِحُهُ وَيُرْضِيهِ وَيُحِبُّهُ وَكُلُّ ذَلِكَ حَاصِلٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي إحْدَاثِ شَيْءٍ مِن المُحْدَثَاتِ وَلَا هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى غَيْرِهِ بِوَجْهِ مِن الوُجُوهِ ؛ بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِذَا خَلَقَ شَيْئاً لِحِكْمَةِ يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى غَيْرِهِ إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ خَالِقٌ غَيْرُهُ يَفْعَلُ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ : الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَأَنَّ الطَّاعَاتِ وُجِدَتْ بِدُونِ قُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ فَإِذَا قِيلَ : إنَّهُ يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ جَعَلَهُ كَذَلِكَ .
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ - الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 379
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧٩