وَأَمَّا أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ التَّعْلِيلَ فَلَا يُثْبِتُونَهُ عَلَى قَاعِدَةِ الْقَدَرِيَّةِ وَلَا يَنْفُونَهُ نَفْيَ الْجَهْمِيَّة وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوَاضِعَ .
لَكِنَّ قَوْلَ الْجُمْهُورِ : هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْمَعْقُولُ الصَّرِيحُ وَبِهِ يَثْبُتُ أَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً لِحِكْمَةِ لَمْ يَكُنْ حَكِيماً وَالْكَلَامُ فِي هَذَا يُبْنَى عَلَى أُصُولٍ .
( أَحَدُهَا ) : إثْبَاتُ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرِضَاهُ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ لِذَاتِهِ وَيُحَبّ لِذَاتِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ سِوَاهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَبَّ إلَّا هُوَ ، وَكُلُّ مَحَبَّةٍ لِغَيْرِهِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ وَهَذَا مِنْ مَعَانِي الْإِلَهِيَّةِ فَإِنَّ " الْإِلَهَ " هُوَ الْمَأْلُوهُ : الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُؤَلَّهَ فَيُعْبَدَ وَالْعِبَادَةُ تَجْمَعُ غَايَةَ الذُّلِّ وَغَايَةَ الْحُبِّ وَهَذَا لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا هُوَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَحْمَدُ نَفْسَهُ وَيُثْنِي عَلَى نَفْسِهِ وَيُمَجِّدُ نَفْسَهُ وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِينَ ؛ وَيَرْضَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ .
وَ " الْحَمْدُ " هُوَ الْإِخْبَارُ بِمَحَاسِنِ الْمَحْمُودِ مَعَ الْمَحَبَّةِ لَهَا .
فَلَوْ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ بِمَحَاسِنِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ مَحَبَّةٍ لَهَا لَمْ يَكُنْ حَامِداً وَلَوْ أَحَبَّهَا وَلَمْ يُخْبِرْ بِهَا لَمْ يَكُنْ حَامِداً .
وَالرَّبُّ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - إذَا حَمِدَ نَفْسَهُ فَذَكَرَ أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى وَأَفْعَالَهُ الْجَمِيلَةَ وَأَحَبَّ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ فَكَانَ هُوَ الْحَامِدَ وَالْمَحْمُودَ وَالْمُثْنِي وَالْمُثْنَى عَلَيْهِ وَالْمُمَجِّدَ وَالْمُمَجَّدَ وَالْمُحِبَّ وَالْمَحْبُوبَ كَانَ هَذَا غَايَةَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 378
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧٨