تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ الشَّيْءَ سَيَكُونُ وَالْخَبَرُ عَنْهُ بِذَلِكَ وَكِتَابَةُ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ اسْتِغْنَاءَ ذَلِكَ عَمَّا بِهِ يَكُونُ مِن الأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا كَالْفَاعِلِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ؛ فَإِنَّ اعْتِقَادَ هَذَا غَايَةٌ فِي الْجَهْلِ إذْ هَذَا الْعِلْمُ لَيْسَ مُوجِباً بِنَفْسِهِ لِوُجُودِ الْمَعْلُومِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ ؛ بَلْ هُوَ مُطَابِقٌ لَهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لَا يُكْسِبُهُ صِفَةً وَلَا يَكْتَسِبُ مِنْهُ صِفَةً بِمَنْزِلَةِ عِلْمِنَا بِالْأُمُورِ الَّتِي قَبْلَنَا كَالْمَوْجُودَاتِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ وُجُودِنَا مِثْلَ عِلْمِنَا بِاَللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ فَإِنَّ هَذَا الْعِلْمَ لَيْسَ مُؤَثِّراً فِي وُجُودِ الْمَعْلُومِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ كَانَ مِنْ عُلُومِنَا مَا يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي وُجُودِ الْمَعْلُومِ كَعِلْمِنَا بِمَا يَدْعُونَا إلَى الْفِعْلِ وَيُعَرِّفُنَا صِفَتَهُ وَقَدْرَهُ ؛ فَإِنَّ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ لَا تَصْدُرُ إلَّا مِمَّنْ لَهُ شُعُورٌ وَعِلْمٌ إذْ الْإِرَادَةُ مَشْرُوطَةٌ بِوُجُودِ الْعِلْمِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ الْمَوْجُودُ فِي عِلْمِنَا بِحَيْثُ يَنْقَسِمُ إلَى عِلْمٍ فِعْلِيٍّ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْمَعْلُومِ وَعِلْمٍ انْفِعَالِيٍّ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي وُجُودِ الْمَعْلُومِ هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ فِي الْعِلْمِ . فَإِنَّ مِن النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : " الْعِلْمُ " صِفَةٌ انْفِعَالِيَّةٌ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْمَعْلُومِ ؛ كَمَا يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ هُوَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْمَعْلُومِ كَمَا يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ . وَالصَّوَابُ أَنَّهُ " نَوْعَانِ " - كَمَا بَيَّنَّاهُ - وَهَكَذَا عِلْمُ الرَّبِّ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فَإِنَّ عِلْمَهُ بِنَفْسِهِ سُبْحَانَهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي وُجُودِ الْمَعْلُومِ وَأَمَّا عِلْمُهُ بِمَخْلُوقَاتِهِ الَّتِي خَلَقَهَا بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ فَهُوَ مِمَّا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي وُجُودِ مَعْلُومَاتِهِ وَالْقَوْلُ فِي
مجموعة الفتاوى — صفحة 280 | ابن تيمية