الْفَرْقُ الثَّامِنُ : أَنَّ السَّيِّئَةَ إذَا كَانَتْ مِن النَّفْسِ ، وَالسَّيِّئَةُ خَبِيثَةٌ مَذْمُومَةٌ .
وَوَصْفُهَا بِالْخُبْثِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ } .
قَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ : الْكَلِمَاتُ الْخَبِيثَةُ لِلْخَبِيثِينَ ؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ الْخَبِيثَةُ لِلْخَبِيثِينَ ، وَقَالَ تَعَالَى : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً } - إلَى قَوْلِهِ - { وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } وَقَالَ : { إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } وَالْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ صِفَاتُ الْقَائِلِ الْفَاعِلِ ؛ فَإِذَا كَانَتْ النَّفْسُ مُتَّصِفَةً بِالسُّوءِ وَالْخُبْثِ لَمْ يَكُنْ مَحَلُّهَا إلَّا مَا يُنَاسِبُهَا ؛ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ يُعَاشِرُونَ النَّاسَ كَالسَّنَانِيرِ لَمْ يَصْلُحْ ؛ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ الْكَذِبَ شَاهِداً لَمْ يَصْلُحْ ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ الْجَاهِلَ مُعَلِّماً ؛ أَوْ الْأَحْمَقَ سَائِساً ؛ فَالنَّفُوسُ الْخَبِيثَةُ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ فِي الْجَنَّةِ الطَّيِّبَةِ ، بَلْ إذَا كَانَ فِي النَّفْسِ خُبْثٌ طَهُرَتْ وَهُذِّبَتْ ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ { إنَّ الْمُؤْمِنِينَ إذَا نَجَوْا مِن النَّارِ وُقِفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ } الْحَدِيثَ .
وَإِذَا عَلِمَ أَنَّ السَّيِّئَةَ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَطْمَعْ فِي السَّعَادَةِ التَّامَّةِ مَعَ مَا فِيهِ مِن الشَّرِّ ؛ بَلْ عَلِمَ تَحْقِيقَ قَوْلِهِ : { مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } وَقَوْلِهِ : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } { وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } .
وَعَلِمَ أَنَّ الرَّبَّ جَارِيَةٌ أَفْعَالُهُ عَلَى قَانُونِ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ؛ وَفِي الصَّحِيحِ { يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى } الْحَدِيثَ ، وَعَلِمَ فَسَادَ قَوْلِ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ بِلَا حِكْمَةٍ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ ؛ وَهُمْ قَصَدُوا مُنَاقَضَةَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 226
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٢٦