إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَكَمَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ : حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِنْ غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِن المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزَنَّ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ } .
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ مَأْمُوراً أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْقَدَرِ عِنْدَمَا يُؤْمَرُ بِهِ مِن الأَفْعَالِ وَلَكِنْ عِنْدَ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِن المَصَائِبِ الَّتِي لَا حِيلَةَ لَهُ فِي دَفْعِهَا فَمَا أَصَابَكَ بِفِعْلِ الْآدَمِيِّينَ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِمْ اصْبِرْ عَلَيْهِ وَارْضَ وَسَلِّمْ قَالَ تَعَالَى : { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ - إمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ وَإِمَّا عَلْقَمَةُ - : هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ .
وَلِهَذَا قَالَ آدَمَ لِمُوسَى : أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى ؛ لِأَنَّ مُوسَى قَالَ لَهُ : لِمَاذَا أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِن الجَنَّةِ فَلَامَهُ عَلَى الْمُصِيبَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِسَبَبِ فِعْلِهِ لَا لِأَجْلِ كَوْنِهَا ذَنْباً وَلِهَذَا احْتَجَّ عَلَيْهِ آدَمَ بِالْقَدَرِ وَأَمَّا كَوْنُهُ لِأَجْلِ الذَّنْبِ كَمَا يَظُنُّهُ طَوَائِفُ مِن النَّاسِ فَلَيْسَ مُرَاداً بِالْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ تَابَ مِن الذَّنْبِ وَالتَّائِبُ مِن الذَّنْبِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 178
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٨