تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
{ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ } وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ يُوسُفَ أَكْرَمَ أَبَوَيْهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ لَمَّا قَدِمُوا إكْرَاماً عَظِيماً مَعَ عِلْمِهِ بِدِينِهِمْ وَاسْتِقْرَاءُ أَحْوَالِ النَّاسِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ . فَإِنَّ جُحُودَ الصَّانِعِ لَمْ يَكُنْ دِيناً غَالِباً عَلَى أُمَّةٍ مِن الأُمَمِ قَطُّ وَإِنَّمَا كَانَ دِينُ الْكُفَّارِ الْخَارِجِينَ عَنْ الرِّسَالَةِ هُوَ الْإِشْرَاكُ وَإِنَّمَا كَانَ يَجْحَدُ الصَّانِعَ بَعْضُ النَّاسِ وَأُولَئِكَ كَانَ عُلَمَاؤُهُمْ مِن الفَلَاسِفَةِ الصَّابِئَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ الْهَيَاكِلَ وَالْكَوَاكِبَ وَالْأَصْنَامَ وَالْأَخْبَارُ الْمَرْوِيَّةُ مِنْ نَقْلِ أَخْبَارِهِمْ وَسِيَرِهِمْ كُلِّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ؛ وَلَكِنَّ فِرْعَوْنَ مُوسَى : { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ } وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُمْ - دُونَ الْفَرَاعِنَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ - ؛ { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِن الهٍ غَيْرِي } ثُمَّ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ : { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } { فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى } نَكَالَ الْكَلِمَةِ الْأُولَى . وَنَكَالَ الْكَلِمَةِ الْأَخِيرَةِ وَكَانَ فِرْعَوْنُ فِي الْبَاطِنِ عَارِفاً بِوُجُودِ الصَّانِعِ وَإِنَّمَا اسْتَكْبَرَ كإبليس وَأَنْكَرَ وُجُودَهُ وَلِهَذَا قَالَ لَهُ مُوسَى : { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ } فَلَمَّا أَنْكَرَ الصَّانِعَ وَكَانَتْ لَهُ آلِهَةٌ يَعْبُدُهَا بَقِيَ عَلَى عِبَادَتِهَا وَلَمْ يَصِفْهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالشِّرْكِ وَإِنَّمَا وَصَفَهُ بِجُحُودِ الصَّانِعِ وَعِبَادَةِ آلِهَةٍ أُخْرَى . وَالْمُنْكِرُ لِلصَّانِعِ مِنْهُمْ مُسْتَكْبِرٌ كَثِيراً مَا يَعْبُدُ آلِهَةً ؛ وَلَا يَعْبُدُ اللَّهَ قَطُّ ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ : هَذَا الْعَالَمُ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ . وَبَعْضُ أَجْزَائِهِ مُؤَثِّرٌ فِي بَعْضٍ وَيَقُولُ إنَّمَا انْتَفَعَ بِعِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلِهَذَا كَانَ بَاطِنُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةِ الْمُنْتَسِبَةِ إلَى الْإِسْلَامِ هُوَ قَوْلَ فِرْعَوْنَ .