وَلَوْ كَانَ الْعَمَلُ الْفَاضِلُ يَحْصُلُ بِهِ جَمِيعُ الْمَفْضُولِ مُطْلَقاً لَمَا شَرَعَ الْمَفْضُولَ فِي وَقْتٍ ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إعْطَاءِ الْأَعْلَى إعْطَاءُ الْأَدْنَى مُطْلَقاً وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَنْعُ الْأَعْلَى مُطْلَقاً فَهَذَا مُمْكِنٌ إمْكَاناً شَرْعِيّاً فِي عَامَّةِ الثَّوَابَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِينَ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يُعْطَوْنَ الدَّرَجَاتِ الدُّنَى ثُمَّ لَا يَكُونُ هَذَا نَقْصاً فِي حَقِّهِمْ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُرْضِي كُلَّ عَبْدٍ بِمَا آتَاهُ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَرْضَى النِّسَاءَ بِأَعْلَى " الرُّؤْيَةِ " عَنْ مَجْمُوعِ أَعْلَاهَا وَأَدْنَاهَا .
وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ مِن المُمْكِنِ أَنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ الْجُمُعَةِ جَزَاءً عَلَى عَمَلِ الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا ؛ وَرُؤْيَةُ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ جَزَاءً عَلَى عَمَلِ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فَهَذَا مُمْكِنٌ فِي الْعَقْلِ وَإِنْ لَمْ يَجِئْ بِهِ خَبَرٌ ؛ وَإِذَا كَانَ مُمْكِناً لَمْ يَلْزَمْ مِنْ مَنْعِهِنَّ " رُؤْيَةَ الْجُمُعَةِ " لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي فِيهِنَّ مَنْعُهُنَّ " رُؤْيَةَ الْبَرْدَيْنِ " مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي فِيهِنَّ .
وَمِن المُمْكِنِ فِي الْعَقْلِ أَنَّهُنَّ إنَّمَا لَمْ يَشْهَدْنَ رُؤْيَةَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ مُجْتَمَعُ الرِّجَالِ .
وَالْغَيْرَةُ فِي الْجَنَّةِ ؛ أَلَا تَرَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى الْجَنَّةَ وَرَأَى قَصْراً وَعَلَى بَابِهِ جَارِيَةٌ قَالَ : فَأَرَدْت أَنْ أَدْخُلَ فَذَكَرْت غَيْرَتَك فَقَالَ عُمَرُ : أَعَلَيْك أَغَارُ ؟ .
} وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا مُنْتَفٍ فِي رُؤْيَةِ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَةَ قَدْ تَحْصُلُ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مَنَازِلِهِمْ .
ثُمَّ هَذَا مِن المُمْكِنِ أَنَّ " الرُّؤْيَةَ جَزَاءُ الْعَمَلِ " فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثَوَابُ شُهُودِ الْجُمُعَةِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ فِيهَا يَكُونُونَ فِي
مجموعة الفتاوى — صفحة 456
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥٦