وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقُولَ : الْقَضِيَّةُ الْمُوجَبَةُ الْمُطْلَقَةُ لَا يُنَاقِضُهَا إلَّا سَلْبٌ كُلِّيٌّ ؛ وَلَيْسَ هَذَا سَلْباً كُلِّيّاً فَلَا يُنَاقِضُ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مُوجَبِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقُولَ : لَيْسَ فِي ذِكْرِ هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ إلَّا عَدَمُ الْإِخْبَارِ بِغَيْرِهِمَا وَعَدَمُ الْإِخْبَارِ بِثَوَابِ مُعَيَّنٍ - مِنْ نَظَرٍ أَوْ غَيْرِهِ - لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ كَيْفَ وَهَذَا الثَّوَابُ مِمَّا أَخْفَاهُ اللَّهُ ؟ وَإِذَا كَانَ عَدَمُ الْإِخْبَارِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ .
وَالْعُمُومُ اللَّفْظِيُّ وَالْمَعْنَوِيُّ إمَّا قَاطِعٌ وَإِمَّا ظَاهِرٌ فِي دُخُولِ النِّسَاءِ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ الدَّلِيلِ مُخَصِّصاً لِلدَّلِيلِ - سَوَاءٌ كَانَ ظَاهِراً أَوْ قَاطِعاً - وَكُلُّ هَذَا كَمَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ الضَّرُورِيِّ فَهُوَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ .
وَإِنَّمَا يَنْشَأُ الْغَلَطُ مِنْ حَيْثُ يَسْمَعُ السَّامِعُ مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ فِي " الرُّؤْيَةِ " عَامَّةً مُطْلَقَةً وَيَرَى أَحَادِيثَ أُخَرَ أَخْبَرَتْ بِرُؤْيَةِ مُقَيَّدَةٍ خَاصَّةٍ فَيُتَوَهَّمُ أَنْ لَا وُجُودَ لِتِلْكَ الْمُطْلَقَةِ الْعَامَّةِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمُقَيَّدَةِ أَوْ يَنْفِي دَلَالَةَ تِلْكَ الْعَامَّةِ ؛ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ كَرَجُلِ قَالَ : كُنْت أُدْخِلُ أَصْحَابِي دَارِي وَأُكْرِمُهُمْ .
ثُمَّ قَالَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ : أَدْخَلْت دَارِي فُلَاناً وَفُلَاناً مِنْ أَصْحَابِي فِي الْيَوْمِ الْفُلَانِيِّ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ سَائِرَ أَصْحَابِهِ لَمْ يُدْخِلْهُمْ - لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُمْ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ - فَقَدْ غَلِطَ وَقِيلَ لَهُ : مِنْ أَيْنَ لَك أَنَّهُ مَا أَدْخَلَهُمْ فِي وَقْتٍ آخَرَ ؟ فَإِذَا قَالَ : يُمْكِنُ أَنَّهُ أَدْخَلَهُمْ وَيُمْكِنُ أَنَّهُ مَا أَدْخَلَهُمْ فَأَنَا أَقِفُ قِيلَ لَهُ : فَقَدْ قَالَ : كُنْت أُدْخِلُ أَصْحَابِي دَارِي وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ أَصْحَابِهِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 452
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥٢