وَأَيْضاً فَالْحَادِثُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ وَالْأَفْرَادُ يُمْكِنُ حُدُوثُهَا ؛ لِأَنَّ قَبْلَهَا أُمُوراً أُخْرَى تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ سَبَباً أَمَّا إذَا قُدِّرَ عَدَمُ النَّوْعِ كُلِّهِ ثُمَّ حَدَثَ لَزِمَ أَنْ يَحْدُثَ النَّوْعُ بِلَا سَبَبٍ يَقْتَضِي حُدُوثَهُ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ .
وَأَيْضاً فَهَذَا " النَّوْعُ " إمَّا أَنْ يُقَالَ : كَانَ قَادِراً عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَزَلْ ؛ أَوْ صَارَ قَادِراً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ قَادِراً عَلَيْهِ أَمْكَنَ وُجُودُهُ ؛ فَلَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فَلَا يَجُوزُ الْجَزْمُ بِعَدَمِهِ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِراً لَزِمَ حُدُوثُ الْقُدْرَةِ بِلَا سَبَبٍ وَانْتِقَالُ الْقُدْرَةِ وَالِامْتِنَاعُ إلَى الْإِمْكَانِ بِلَا سَبَبٍ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَفْرَادِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مُمْتَنِعاً حَتَّى يَحْصُلَ مَا يَصِيرُ بِهِ مُمْكِناً ؛ أَوْ كَانَ مُمْكِناً وَلَكِنَّ الْحِكْمَةَ اقْتَضَتْ وُجُودَهُ بَعْدَ تِلْكَ الْأُمُورِ .
وَأَمَّا النَّوْعُ إذَا قِيلَ بِحُدُوثِهِ لَمْ يَخْتَصَّ بِوَقْتِ ؛ إذْ الْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا يُعْقَلُ فِيهِ وَقْتٌ يُمَيِّزُهُ عَنْ وَقْتٍ .
وَ " أَيْضاً " فَكَذَلِكَ النَّوْعُ مُمْكِنٌ لَهُ لِوُجُودِهِ وَهُوَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِهِ لَا مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ وَمَا كَانَ مُمْكِناً لَمْ يَتَوَقَّفْ إلَّا عَلَى ذَاتِهِ لَزِمَ وُجُودُهُ بِوُجُودِ ذَاتِهِ كَحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ قِدَمِ نَوْعِ هَذِهِ الصِّفَات وَلُزُومِ النَّوْعِ لِذَاتِهِ وَإِنْ قِيلَ بِحُدُوثِ الْأَفْرَادِ .
وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ : لَا تَقُومُ بِذَاتِهِ الصِّفَات الْحَادِثَةُ أَيْ : لَا يَقُومُ بِهِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الصِّفَات الْحَادِثَةِ بِمَعْنَى أَنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ وَالْإِرَادَةَ صِفَةٌ ؛ وَلَا تَحْدُثُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَات وَلَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ هَذِهِ الصِّفَات ؛ بَلْ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً مُرِيداً وَإِنْ حَدَثَتْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 327
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٢٧