تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ خَلَقَهُ قَائِماً بِنَفْسِهِ لَكَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعاً لِأَنَّهُ صِفَةٌ وَالصِّفَةُ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ : أَنَّهُ يَخْلُقُ حِبَالاً فِي مَحَلٍّ . وَالْبَصْرِيُّونَ - وَهُمْ أَجَلُّ وَأَفْضَلُ مِن البَغْدَادِيِّينَ - يَقُولُونَ : إنَّهُ يَخْلُقُ إرَادَةً لَا فِي مَحَلٍّ فَقَدْ يُنَاقِضُونَ هَذِهِ الْحُجَّةَ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ؛ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ خَلَقَهُ فِي نَفْسِهِ لَكَانَ مَحَلّاً لِلْحَوَادِثِ فَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ : لَوْ خَلَقَهُ فِي نَفْسِهِ لَكَانَ مَحَلّاً لِلْمَخْلُوقِ وَهُوَ لَا يَكُونُ مَحَلّاً لِلْمَخْلُوقِ . وَإِذَا قَالُوا : نَحْنُ نُسَمِّي كُلَّ حَادِثٍ مَخْلُوقاً فَهَذَا مَحَلُّ نِزَاعٍ فَالسَّلَفُ وَأَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَكَثِيرٌ مِنْ طَوَائِفِ الْكَلَامِ - كالهشامية والكَرَّامِيَة وَأَبِي مُعَاذٍ التومني وَغَيْرِهِمْ - لَا يَقُولُونَ : كُلُّ حَادِثٍ مَخْلُوقٌ وَيَقُولُونَ : الْحَوَادِثُ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يَقُومُ بِذَاتِهِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ . وَمِنْهُ خَلْقُهُ لِلْمَخْلُوقَاتِ ؛ وَإِلَى مَا يَقُومُ بَائِناً عَنْهُ ؛ وَهَذَا هُوَ الْمَخْلُوقُ ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ خَلْقٍ : وَالْخَلْقُ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى خَلْقٍ بَلْ هُوَ حَصَلَ بِمُجَرَّدِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ . وَالْقُدْرَةُ فِي الْقُرْآنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذَا الْفِعْلِ لَا بِالْمَفْعُولِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ : { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } وَقَوْلِهِ : { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } وَقَوْلِهِ : { بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ } وَقَوْلِهِ : { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } .