صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَغَيِّراً لَمَّا رَأَى مِنْهُ أَثَرَ الْجُوعِ وَلَمْ يَزَلْ يَرَاهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ } " فَلَمْ يُسَمِّ حَرَكَتَهُ تَغَيُّراً وَكَذَلِكَ يُقَالُ : فُلَانٌ قَدْ تَغَيَّرَ عَلَى فُلَانٍ إذَا صَارَ يُبْغِضُهُ بَعْدَ الْمَحَبَّةِ فَإِذَا كَانَ ثَابِتاً عَلَى مَوَدَّتِهِ لَمْ يُسَمِّ هَشَّتْهُ إلَيْهِ وَخِطَابَهُ لَهُ تَغَيُّراً .
وَإِذَا جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا عَلَى عَادَتِهِمْ الْمَوْجُودَةِ يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَمْ يَكُونُوا قَدْ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ فَإِذَا انْتَقَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَاسْتَبْدَلُوا بِقَصْدِ الْخَيْرِ قَصْدَ الشَّرِّ وَبِاعْتِقَادِ الْحَقِّ اعْتِقَادَ الْبَاطِلِ قِيلَ : قَدْ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِثْلُ مَنْ كَانَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَتَغَيَّرَ قَلْبُهُ وَصَارَ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَهَذَا قَدْ غَيَّرَ مَا فِي نَفْسِهِ .
وَإِذَا كَانَ هَذَا " مَعْنَى التَّغَيُّرِ " فَالرَّبُّ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفاً بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مَنْعُوتاً بِنُعُوتِ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَكَمَالُهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَصِيرَ نَاقِصاً بَعْدَ كَمَالِهِ .
وَ " هَذَا الْأَصْلُ " عَلَيْهِ قَوْلُ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ : أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً إذَا شَاءَ وَلَمْ يَزَلْ قَادِراً وَلَمْ يَزَلْ مَوْصُوفاً بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ مُتَغَيِّراً وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : يَا مَنْ يُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ فَإِنَّهُ يُحِيلُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ ؛ وَيَسْلُبُهَا مَا كَانَتْ مُتَّصِفَةً بِهِ إذَا شَاءَ ؛ وَيُعْطِيهَا مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا ؛ وَكَمَالُهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ ؛ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفاً بِصِفَاتِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 250
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٠