وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعاً فَقَدْ امْتَنَعَ وُجُودُ حَوَادِثَ لَا تَتَنَاهَى ؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَكُونُ فِي الْأَزَلِ مُمْكِنَةً ؛ لَا مَقْدُورَةً وَلَا مَقْبُولَةً ؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ امْتِنَاعُهَا بَعْدَ ذَلِكَ .
فَإِنَّ الْحَوَادِثَ مَوْجُودَةٌ ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِدَوَامِ امْتِنَاعِهَا ؛ وَهَذَا تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ يُبَيِّنُ فَسَادَ " هَذِهِ الْحُجَّةِ " .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يُقَالَ - لَا رَيْبَ أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى قَادِرٌ ؛ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِراً - وَهُوَ الصَّوَابُ - وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بَلْ صَارَ قَادِراً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ قِيلَ : لَمْ يَزَلْ قَادِراً فَيُقَالُ : إذَا كَانَ لَمْ يَزَلْ قَادِراً فَإِنْ كَانَ الْمَقْدُورُ لَمْ يَزَلْ مُمْكِناً أَمْكَنَ دَوَامُ وُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ فَأَمْكَنَ دَوَامُ وُجُودِ الْحَوَادِثِ ؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ قَابِلاً لَهَا فِي الْأَزَلِ .
فَإِنْ قِيلَ : بَلْ كَانَ الْفِعْلُ مُمْتَنِعاً ثُمَّ صَارَ مُمْكِناً .
قِيلَ : هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فَإِنَّ الْقَادِرَ لَا يَكُونُ قَادِراً عَلَى مُمْتَنِعٍ فَكَيْفَ يَكُونُ قَادِراً عَلَى كَوْنِ الْمَقْدُورِ مُمْتَنِعاً ثُمَّ يُقَالُ : بِتَقْدِيرِ إمْكَانِ هَذَا قِيلَ هُوَ قَادِرٌ فِي الْأَزَلِ عَلَى مَا يُمْكِنُ فِيمَا لَا يَزَالُ وَكَذَلِكَ فِي الْمَقْبُولِ : يُقَالُ هُوَ قَابِلٌ فِي الْأَزَلِ لِمَا يُمْكِنُ فِيمَا لَا يَزَالُ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : إذَا قِيلَ - هُوَ قَابِلٌ لِمَا فِي الْأَزَلِ فَإِنَّمَا هُوَ قَابِلٌ لِمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ يُمْكِنُ وُجُودُهُ فَأَمَّا مَا يَكُونُ مُمْتَنِعاً لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ فَهَذَا لَيْسَ بِقَابِلِ لَهُ .
الرَّابِعُ : أَنْ يُقَالَ - هُوَ قَادِرٌ عَلَى حُدُوثِ مَا هُوَ مُبَايِنٌ لَهُ مِن المَخْلُوقَاتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ قُدْرَةَ الْقَادِرِ عَلَى فِعْلِهِ الْقَائِمِ بِهِ أَوْلَى مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمُبَايِنِ لَهُ ؛ وَإِذَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 248
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤٨