صَارَ قَادِراً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِراً وَهَذَا حَقِيقَةُ التَّغَيُّرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ سَبَبٌ يُوجِبُ كَوْنَهُ قَادِراً .
وَإِذَا قَالُوا : هُوَ فِي الْأَزَلِ قَادِرٌ عَلَى مَا لَا يَزَالُ .
قِيلَ هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَهُوَ فِي الْأَزَلِ كَانَ قَادِراً .
أَفَكَانَ الْقَوْلُ مُمْكِناً لَهُ أَوْ مُمْتَنِعاً عَلَيْهِ ؟ إنْ قُلْتُمْ : مُمْكِنٌ لَهُ فَقَدْ جَوَّزْتُمْ دَوَامَ كَوْنِهِ فَاعِلاً وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى حَوَادِثَ لَا نِهَايَةَ لَهَا .
وَإِنْ قُلْتُمْ : بَلْ كَانَ مُمْتَنِعاً .
قِيلَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمُمْتَنِعِ مَعَ كَوْنِ الْفِعْلِ مُمْتَنِعاً غَيْرُ مُمْكِنٍ - لَا يَكُونُ مَقْدُوراً لِلْقَادِرِ إنَّمَا الْمَقْدُورُ هُوَ الْمُمْكِنُ لَا الْمُمْتَنِعُ .
فَإِذَا قُلْتُمْ : أَمْكَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ .
فَقَدْ قُلْتُمْ : إنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ صَارَ قَادِراً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي التَّغَيُّرِ .
فَهَؤُلَاءِ الْنُّفَاةِ الَّذِينَ قَالُوا : إنَّ الْمُثْبِتَةَ يَلْزَمُهُمْ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ " تَغَيُّرٌ " قَدْ بَانَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ وَأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ قَالُوا : بِمَا يُوجِبُ تَغَيُّرَهُ .
( الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ : قَالُوا : حُلُولُ الْحَوَادِثِ بِهِ أُفُولٌ ؛ وَالْخَلِيلُ قَدْ قَالَ : { لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ } وَ " الْآفِلُ " هُوَ الْمُتَحَرِّكُ الَّذِي تَقُومُ لَهُ الْحَوَادِثُ فَيَكُونُ " الْخَلِيلُ " قَدْ نَفَى الْمَحَبَّةَ عَمَّنْ تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ فَلَا يَكُونُ إلَهاً ؛ وَإِذَا قَالَ الْمُنَازِعُ أَنَا أُرِيدُ بِكَوْنِهِ تَغَيَّرَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ يُحِبُّ مِنَّا الطَّاعَةَ وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِ وَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
قِيلَ : فَهَبْ أَنَّك سَمَّيْت هَذَا تَغَيُّراً ؛ فَلِمَ قُلْت إنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ فَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ كَمَا قَالَ الرَّازِي : فَالْمُقَدَّمُ هُوَ الثَّانِي .
مجموعة الفتاوى — صفحة 252
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٢