تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
وَيَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِي دَلَالَةِ الْمَنْطُوقِ وَالْمَسْكُوتِ وَهُوَ مَا نَطَقَ بِهِ الشَّارِعُ وَهُوَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ تَارَةً تَكُونُ دَلَالَةُ السُّكُوتِ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِن المَنْطُوقِ ؛ وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ وَتَارَةً تُخَالِفُهُ وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ وَتَارَةً تُشْبِهُهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمَحْضُ . فَثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ اللَّهَ يُوصَفُ بِالسُّكُوتِ ؛ لَكِنَّ السُّكُوتَ يَكُونُ تَارَةً عَنْ التَّكَلُّمِ وَتَارَةً عَنْ إظْهَارِ الْكَلَامِ وَإِعْلَامِهِ ؛ كَمَا قَالَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ { أَبِي هُرَيْرَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أرأيتك سُكُوتَك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَاذَا تَقُولُ ؟ قَالَ أَقُولُ : اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } " إلَى آخَرِ الْحَدِيثِ . فَقَدْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَاكِتٌ وَسَأَلَهُ مَاذَا تَقُولُ ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَقُولُ فِي حَالِ سُكُوتِهِ ؛ أَيْ سُكُوتِهِ عَنْ الْجَهْرِ وَالْإِعْلَانِ لَكِنْ هَذَانِ الْمَعْنَيَانِ الْمَعْرُوفَانِ فِي السُّكُوتِ لَا تَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : إنَّهُ مُتَكَلِّمٌ كَمَا أَنَّهُ عَالِمٌ ؛ لَا يَتَكَلَّمُ عِنْدَ خِطَابِ عِبَادِهِ بِشَيْءِ ؛ وَإِنَّمَا يَخْلُقُ لَهُمْ إدْرَاكاً لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ الْقَدِيمَ سَوَاءٌ قِيلَ هُوَ مَعْنًى مُجَرَّدٌ أَوْ مَعْنًى وَحُرُوفٌ ؛ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ قَالَ بِذَلِكَ مِن الفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ مِن الحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ . فَهَؤُلَاءِ إمَّا أَنْ يَمْنَعُوا السُّكُوتَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَوْ يُطْلِقُوا لَفْظَهُ وَيُفَسِّرُوهُ بِعَدَمِ خَلْقِ إدْرَاكٍ لِلْخَلْقِ يَسْمَعُونَ بِهِ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ وَالنُّصُوصُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 179 | ابن تيمية