قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثُ : وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُ مَنْ يَدَّعِي السُّنَّةَ وَبَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ ذَلِكَ عَلَى الْحَوَادِثِ .
فَأَمَّا مَنْ ادَّعَى السُّنَّةَ ؛ فَأَرَادَ إثْبَاتَ " الْقَدَرِ " فَقَالَ : " إرَادَةُ اللَّهِ " أَيْ حَدَثٌ مِنْ تَقْدِيرِهِ سَابِقُ الْإِرَادَةِ وَأَمَّا بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ ؛ فَزَعَمُوا أَنَّ الْإِرَادَةَ إنَّمَا هِيَ خَلْقٌ حَادِثٌ وَلَيْسَتْ مَخْلُوقَةً ؛ وَلَكِنْ بِهَا اللَّهُ كَوَّنَ الْمَخْلُوقِينَ قَالَ فَزَعَمْت أَنَّ الْخَلْقَ غَيْرُ الْمَخْلُوقِينَ وَأَنَّ الْخَلْقَ هُوَ الْإِرَادَةُ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصِفَةِ لِلَّهِ مِنْ نَفْسِهِ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ حَدَثَ بِغَيْرِ إرَادَةٍ مِنْهُ وَجَلَّ عَنْ الْبَدَوَاتِ وَتَقَلُّبِ الْإِرَادَاتِ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْحَادِثَ هُوَ وَقْتُ الْمُرَادِ لَا نَفْسُ الْإِرَادَةِ كَقَوْلِهِمْ : مَتَى تُرِيدُ أَنْ أَجِيءَ ؟ .
إلَى أَنْ قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } لَيْسَ مَعْنَاهُ : أَنْ يَحْدُثَ لَنَا سَمْعاً وَلَا تَكَلُّفَ بِسَمْعِ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَالَ : وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ لِلَّهِ اسْتِمَاعاً حَادِثاً فِي ذَاتِهِ ؛ فَذَهَبَ إلَى مَا يَعْقِلُ مِن الخَلْقِ : أَنَّهُ يَحْدُثُ مِنْهُمْ عِلْمُ سَمْعٍ ؛ لَمَّا كَانَ مِنْ قَوْلِ عَمَّنْ سَمِعَهُ لِلْقَوْلِ ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ إذَا سَمِعَ الشَّيْءَ حَدَثَ لَهُ عَقْلٌ فَهِمَ عَمَّا أَدْرَكَتْهُ أُذُنُهُ مِن الصَّوْتِ .
قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } لَا يَسْتَحْدِثُ بَصَراً وَلَا لَحْظاً مُحْدَثاً فِي ذَاتِهِ ؛ وَإِنَّمَا يَحْدُثُ الشَّيْءُ فَيَرَاهُ مُكَوَّناً كَمَا لَمْ يَزَلْ يَعْلَمُهُ قَبْلَ كَوْنِهِ لَا يُغَادِرُ شَيْئاً وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ خَافِيَةٌ .
وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ رُؤْيَةً تَحْدُثُ وَقَالَ قَوْمٌ : إنَّمَا مَعْنَى ( سَيَرَى )
مجموعة الفتاوى — صفحة 182
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨٢