وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ - فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ " كِتَابِ السُّنَّةِ فِي الْمُقْنِعِ " - لَمَّا سَأَلُوهُ إنَّكُمْ إذَا قُلْتُمْ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً كَانَ ذَلِكَ عَبَثاً .
فَقَالَ : لِأَصْحَابِنَا قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً كَالْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ ضِدَّ الْكَلَامِ الْخَرَسُ كَمَا أَنَّ ضِدَّ الْعِلْمِ الْجَهْلُ .
قَالَ : وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ قَدْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ خَالِقٌ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ خَالِقاً فِي كُلِّ حَالٍ ؛ بَلْ قُلْنَا إنَّهُ خَالِقٌ فِي وَقْتِ إرَادَتِهِ أَنْ يَخْلُقَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَالِقاً فِي كُلِّ حَالٍ وَلَمْ يَبْطُلْ أَنْ يَكُونَ خَالِقاً ؛ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّماً فِي كُلِّ حَالٍ لَمْ يَبْطُلْ أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّماً ؛ بَلْ هُوَ مُتَكَلِّمٌ خَالِقٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَالِقاً فِي كُلِّ حَالٍ وَلَا مُتَكَلِّماً فِي كُلِّ حَالٍ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِ " إيضَاحِ الْبَيَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " لَمَّا أَوْرَدَ عَلَيْهِ هَذَا السُّؤَالَ فَقَالَ : نَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً وَلَيْسَ بِمُكَلَّمِ وَلَا مُخَاطَبٍ وَلَا آمِرٍ وَلَا نَاهٍ ؛ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَسَاقَ الْكَلَامَ إلَى أَنْ ذَكَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَا حَكَاهُ فِي الْمُقْنِعِ ثُمَّ قَالَ : لَعَلَّ هَذَا الْقَائِلَ مِنْ أَصْحَابِنَا يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ " لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً إذَا شَاءَ " .
قَالَ : وَالْقَائِلُ بِهَذَا قَائِلٌ بِحُدُوثِ الْقُرْآنِ وَقَدْ تَأَوَّلْنَا كَلَامَ أَحْمَدَ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا وَصْفَهُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 158
مساهمون: ابن تيمية
ص١٥٨