وَهُوَ الْبُعْدُ وَالْحَجْبُ فَالْبُعْدُ وَالْإِبْعَادُ حُكْمُ مَشِيئَتِهِ وَالْحُدُودُ وَالْأَقْطَارُ حُجُبُ بَرِيَّتِهِ .
إلَى أَنْ قَالَ : { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ } { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالْخَلْقِ وَلَا مُفَارِقٍ وَغَيْرُ مُمَاسٍّ لِلْكَوْنِ وَلَا مُتَبَاعِدٍ بَلْ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ مُتَوَحِّدٌ بِوَصْفِهِ لَا يَزْدَوِجُ إلَى شَيْءٍ وَلَا يَقْتَرِنُ بِهِ شَيْءٌ أَقْرَبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِقُرْبِ هُوَ وَصْفُهُ وَهُوَ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْطَةِ هِيَ نَعْتُهُ وَهُوَ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَأَمَامَ كُلِّ شَيْءٍ وَوَرَاءَ كُلِّ شَيْءٍ ؛ بِعُلُوِّهِ وَدُنُوِّهِ وَهُوَ قُرْبُهُ ؛ فَهُوَ وَرَاءَ الْحَوْلِ الَّذِي هُوَ وَرَاءَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ الَّذِي هُوَ الرُّوحُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَلَيْسَ هُوَ تَعَالَى فِي هَذَا مَكَاناً لِشَيْءِ وَلَا مَكَاناً لَهُ شَيْءٌ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ فِي كُلِّ هَذَا شَيْءٌ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلَا مُعِينَ لَهُ فِي خَلْقِهِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي عِبَادِهِ وَلَا شَبِيهَ لَهُ فِي إيجَادِهِ وَهُوَ أَوَّلٌ فِي آخريته بِأَوَّلِيَّةٍ هِيَ صِفَتُهُ وَآخِرٌ فِي أَوَّلِيَّتِهِ بآخرية هِيَ نَعْتُهُ وَبَاطِنٌ فِي ظُهُورِهِ بِبَاطِنِيَّةٍ هِيَ قُرْبُهُ وَظَاهِرٌ فِي بَاطِنِيَّتِهِ بِظُهُورِ هُوَ عُلُوُّهُ ؛ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ أَوَّلاً وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ آخِراً وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ بَاطِناً ؛ وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ ظَاهِراً .
إلَى أَنْ قَالَ : هُوَ عَلَى عَرْشِهِ بِإِخْبَارِهِ لِنَفْسِهِ ؛ فَالْعَرْشُ حَدُّ خَلْقِهِ الْأَعْلَى وَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ بِعَرْشِهِ ؛ وَالْعَرْشُ مُحْتَاجٌ إلَى مَكَانٍ ؛ وَالرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } الرَّحْمَنُ اسْمٌ وَالِاسْتِوَاءُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 488
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٨٨