كَانَ الرَّائِي هُوَ الْمَرْئِيَّ فَمَا رَآهُ عِنْدَهُمْ مُوسَى بَلْ رَأَى نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ وَهَذَا يَدَّعُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ .
وَالِاتِّحَادُ وَالْحُلُولُ بَاطِلٌ .
وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِهِ إنَّمَا هَذَا فِي الْبَاطِنِ وَالْقَلْبِ ؛ لَا فِي الظَّاهِرِ ؛ فَإِنَّ غَايَةَ ذَلِكَ مَا تَقُولُهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَلَمْ يَقُولُوا إنَّ أَحَداً رَأَى اللَّاهُوتَ الْبَاطِنَ الْمُتَدَرِّعَ بِالنَّاسُوتِ .
وَهَذَا الْغَلَطُ يَقَعُ كَثِيراً فِي السَّالِكِينَ .
يَقَعُ لَهُمْ أَشْيَاءُ فِي بَوَاطِنِهِمْ فَيَظُنُّونَهَا فِي الْخَارِجِ ؛ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الغالطين مِنْ نُظَّارِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ ؛ حَيْثُ يَتَصَوَّرُونَ أَشْيَاءَ بِعُقُولِهِمْ كَالْكُلِّيَّاتِ وَالْمُجَرَّدَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَظُنُّونَهَا ثَابِتَةً فِي الْخَارِجِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي نُفُوسِهِمْ ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ أَبُو الْقَاسِمِ السهيلي وَغَيْرُهُ : نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ قِيَاسٍ فَلْسَفِيٍّ وَخَيَالٍ صُوفِيٍّ .
وَلِهَذَا يُوجَدُ التَّنَاقُضُ الْكَثِيرُ فِي كَلَامِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ .
وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْآرَاءَ الْفَلْسَفِيَّةَ الْفَاسِدَةَ وَالْخَيَالَاتِ الصُّوفِيَّةَ الْكَاسِدَةَ كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالِهِ ؛ فَهُمْ مِنْ أَضَلِّ أَهْلِ الْأَرْضِ .
وَلِهَذَا كَانَ الْجُنَيْد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّدُ الطَّائِفَةِ إمَامَ هُدًى فَكَانَ قَدْ عَرَفَ مَا يَعْرِضُ لِبَعْضِ السَّالِكِينَ فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّوْحِيدِ قَالَ : التَّوْحِيدُ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ .
فَبَيَّنَ أَنَّهُ يُمَيِّزُ الْمُحْدَثَ عَنْ الْقَدِيمِ تَحْذِيراً عَنْ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ .
فَجَاءَتْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 491
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٩١