الثَّانِي : أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّهُ يَنْزِلُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَقُولُ لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي } وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي لَا يَقُولُهُ غَيْرُهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ قَالَ : { يَنْزِلُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ } وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُجِيبُ الدُّعَاءَ وَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَيُعْطِي كُلَّ سَائِلٍ سُؤَالَهُ إلَّا اللَّهُ وَأَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ لَا تَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ .
الرَّابِعُ : نُزُولُ أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْهُ ؛ وَحِينَئِذٍ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُوَ فَوْقَ الْعَالَمِ فَنَفْسُ تَأْوِيلِهِ يُبْطِلُ مَذْهَبَهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْنُّفَاةِ لِبَعْضِ الْمُثْبِتِينَ : يَنْزِلُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ ؛ فَقَالَ لَهُ الْمُثْبِتُ : فَمِمَّنْ يَنْزِلُ مَا عِنْدَك فَوْقُ شَيْءٌ ؛ فَلَا يَنْزِلُ مِنْهُ لَا أَمْرٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ فَبُهِتَ النَّافِي وَكَانَ كَبِيراً فِيهِمْ .
( الْخَامِسُ : أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ : " ثُمَّ يَعْرُجُ " وَفِي لَفْظٍ " ثُمَّ يَصْعَدُ " .
السَّادِسُ : أَنَّهُ إذَا قُدِّرَ أَنَّ النَّازِلَ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ وَأَنَّهُ يُنَادِي عَنْ اللَّهِ كَمَا حَرَّفَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ الْحَدِيثِ فَرَوَاهُ " يَنْزِلُ " مِن الفِعْلِ الرُّبَاعِيِّ الْمُتَعَدِّي أَنَّهُ يَأْمُرُ مُنَادِياً يُنَادِي ؛ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ : مَنْ يَدْعُو اللَّهَ فَيَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ يَسْأَلُهُ فَيُعْطِيَهُ ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُهُ فَيَغْفِرَ لَهُ ؟ كَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " " وَمُوَطَّأِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 416
مساهمون: ابن تيمية
ص٤١٦