وَهَذَا يُشْبِهُ نِزَاعَ النَّاسِ فِي أَنَّ الصِّفَاتِ هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ أَمْ لَا ؟ فَمَنْ أَرَادَ بِالذَّاتِ " الذَّاتَ الْمُجَرَّدَةَ " فَالصِّفَاتُ زَائِدَةٌ عَلَيْهَا وَمَنْ أَرَادَ بِالذَّاتِ " الذَّاتَ الْمَوْصُوفَةَ " فَلَيْسَتْ الصِّفَاتُ مُبَايِنَةً لِلذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِصِفَاتِهَا اللَّازِمَةِ لَهَا .
ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَنْفُونَ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ ؛ فَأَمَّا " الْأَنْوَاعُ الْأَرْبَعَةُ " فَمَنْ قَالَ : إنَّهَا مُنْتَفِيَةٌ عَنْ الْمَخْلُوقِ فَهِيَ عَنْ الْخَالِقِ أَشَدُّ انْتِفَاءً ؛ وَأَمَّا " النَّوْعُ الرَّابِعُ " : فَمَنْ نَازَعَ فِي أَنَّ الصِّفَاتِ هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ أَمْ لَا ؟ فَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ وَمَنْ نَازَعَ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ عِلْمٌ وَقُدْرَةٌ وَمَشِيئَةٌ وَجَعَلَ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ الْأُخْرَى وَالصِّفَةَ هِيَ الْمَوْصُوفُ : فَهَذَا قَوْلُهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بَعْدَ التَّصَوُّرِ التَّامِّ .
وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ وَمَعْنَى كَوْنِهِ حَيّاً لَيْسَ مَعْنَى كَوْنِهِ عَلِيماً وَمَعْنَى كَوْنِهِ عَلِيماً لَيْسَ مَعْنَى كَوْنِهِ قَدِيراً ؛ فَهَذَا هُوَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ .
فَإِنْ قَالَ الْقَائِلُ ؛ إنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ عَلِيماً هُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ مُرِيداً قَدِيراً حَيّاً ؛ فَهَذَا مُكَابَرَةٌ .
وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ هِيَ مَعْنَى الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِهَا .
وَإِنْ اعْتَرَفَ بِثُبُوتِ هَذِهِ الْمَعَانِي لِلَّهِ وَقَالَ : أَنَا أَنْفِي أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُفْتَقِراً إلَى ذَوَاتٍ أَوْ مَعَانٍ بِهَا يَصِيرُ حَيّاً عَالِماً قَادِراً : فَهَذَا مُنَاظَرَةٌ مِنْهُ لِمُثْبِتَةِ الْأَحْوَالِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 338
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٣٨