يَكُونَ ابْنُ آدَمَ فِي الْقَدَحِ وَاَللَّهُ - وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى - قَدْ أَحَاطَ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ .
وَخَصْلَةٌ أُخْرَى : لَوْ أَنَّ رَجُلاً بَنَى دَاراً بِجَمِيعِ مَرَافِقِهَا ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهَا وَخَرَجَ .
كَانَ ابْنُ آدَمَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ كَمْ بَيْتٌ فِي دَارِهِ وَكَمْ سِعَةُ كُلِّ بَيْتٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الدَّارِ فِي جَوْفِ الدَّارِ فَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى - قَدْ أَحَاطَ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ وَعَلِمَ كَيْفَ هُوَ ؟ وَمَا هُوَ ؟ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ .
وَمَا تَأَوَّلَ الْجَهْمِيَّة مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ } فَقَالُوا : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَعَنَا وَفِينَا .
وَقُلْنَا : لِمَ قَطَعْتُمْ الْخَبَرَ مِنْ قَوْلِهِ ؟ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إلَّا هُوَ مَعَهُمْ } يَعْنِي بِعِلْمِهِ فِيهِمْ { أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فَفَتَحَ الْخَبَرَ بِعِلْمِهِ وَخَتَمَهُ بِعِلْمِهِ .
وَيُقَالُ للجهمي : إنَّ اللَّهَ إذَا كَانَ مَعَنَا بِعَظَمَةِ نَفْسِهِ : هَلْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُبَايِنٌ خَلْقَهُ وَأَنَّ خَلْقَهُ دُونَهُ .
وَإِنْ قَالَ : لَا كَفَرَ .
قَالَ : وَإِذَا أَرَدْت أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الجهمي كَاذِبٌ عَلَى اللَّهِ حِينَ زَعَمَ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَلَا يَكُونُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ فَقُلْ لَهُ : أَلَيْسَ اللَّهُ كَانَ وَلَا شَيْءَ ؟
مجموعة الفتاوى — صفحة 312
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٢