تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
إنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ فِي مَنَامِهِ مَنْ يَضْرِبُهُ ؛ فَيُصْبِحُ وَالْوَجَعُ فِي بَدَنِهِ وَيَرَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ أُطْعِمَ شَيْئاً طَيِّباً فَيُصْبِحُ وَطَعْمُهُ فِي فَمِهِ وَهَذَا مَوْجُودٌ . فَإِذَا كَانَ النَّائِمُ يَحْصُلُ لِرُوحِهِ وَبَدَنِهِ مِن النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ مَا يُحِسُّ بِهِ - وَاَلَّذِي إلَى جَنْبِهِ لَا يُحِسُّ بِهِ - حَتَّى قَدْ يَصِيحُ النَّائِمُ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ ؛ أَوْ الْفَزَعِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ وَيَسْمَعُ الْيَقْظَانُ صِيَاحَهُ وَقَدْ يَتَكَلَّمُ إمَّا بِقُرْآنِ وَإِمَّا بِذِكْرِ وَإِمَّا بِجَوَابِ . وَالْيَقْظَانُ يَسْمَعُ ذَلِكَ وَهُوَ نَائِمٌ عَيْنُهُ مُغْمَضَةٌ وَلَوْ خُوطِبَ لَمْ يَسْمَعْ فَكَيْفَ يُنْكَرُ حَالُ الْمَقْبُورِ الَّذِي أَخْبَرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ؟ وَقَالَ : { مَا أَنْتُمْ أَسْمَعُ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ } . وَالْقَلْبُ يُشْبِهُ الْقَبْرَ ؛ وَلِهَذَا { قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ : مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً } وَفِي لَفْظٍ : { قُلُوبَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً } وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ : { بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ } { وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ } وَهَذَا تَقْرِيبٌ وَتَقْرِيرٌ لِإِمْكَانِ ذَلِكَ . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : ذَلِكَ الَّذِي يَجِدُهُ الْمَيِّتُ مِن النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ - مِثْلَمَا - يَجِدُهُ النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ ؛ بَلْ ذَلِكَ النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ أَكْمَلُ وَأَبْلَغُ وَأَتَمُّ . وَهُوَ نَعِيمٌ حَقِيقِيٌّ وَعَذَابٌ حَقِيقِيٌّ وَلَكِنْ يَذْكُرُ هَذَا الْمَثَلَ لِبَيَانِ إمْكَانِ ذَلِكَ إذَا قَالَ السَّائِلُ : الْمَيِّتُ لَا يَتَحَرَّكُ فِي قَبْرِهِ وَالتُّرَابُ لَا يَتَغَيَّرُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَهَا بَسْطٌ يَطُولُ وَشَرْحٌ لَا تَحْتَمِلُهُ هَذِهِ الْوَرَقَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 276 | ابن تيمية