وَأَمَّا إظْهَارُ غَيْرِ ذَلِكَ : فَنَوْعٌ مِن النِّفَاقِ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَهَذِهِ " قَاعِدَةٌ " دَلَّتْ عَلَيْهَا السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ مَعَ الْكِتَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } .
فَمَنْ نُدِبَ إلَى شَيْءٍ يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ أَوْ أَوْجَبَهُ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَرِّعَهُ اللَّهُ : فَقَدْ شَرَعَ مِن الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَهُ فِي ذَلِكَ : فَقَدْ اتَّخَذَ شَرِيكاً لِلَّهِ شَرَعَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَقَدْ يُغْفَرُ لَهُ لِأَجْلِ تَأْوِيلٍ إذَا كَانَ مُجْتَهِداً : الِاجْتِهَادَ الَّذِي يُعْفَى مَعَهُ عَنْ الْمُخْطِئِ ؛ لَكِنْ لَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ } .
فَمَنْ أَطَاعَ أَحَداً فِي دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ بِهِ : مِنْ تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ أَوْ إيجَابٍ : فَقَدْ لَحِقَهُ مِنْ هَذَا الذَّمِّ نَصِيبٌ كَمَا يَلْحَقُ الْآمِرَ النَّاهِيَ .
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَعْفُوّاً عَنْهُ .
فَيَتَخَلَّفُ الذَّمُّ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ أَوْ وُجُودِ مَانِعِهِ .
وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَضِي لَهُ قَائِماً وَيَلْحَقُ الذَّمُّ مَنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ ؛ فَتَرَكَهُ أَوْ قَصَّرَ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَوْ أَعْرَضَ عَنْ طَلَبِهِ لِهَوَى أَوْ كَسَلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَأَيْضاً : فَإِنَّ اللَّهَ عَابَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ شَيْئَيْنِ : - " أَحَدُهُمَا " : أَنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً .
" الثَّانِي " : تَحْرِيمُهُمْ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ كَمَا بَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 195
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٥