عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَكِنَّ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُعَيَّنُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ : إذَا قَامَتْ بِهِ طَائِفَةٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ .
وَأَمَّا " الْعِلْمُ الْمُرَغَّبُ فِيهِ جُمْلَةً " فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ لَكِنْ يُرَغَّبُ كُلُّ شَخْصٍ فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ إلَيْهِ أَحْوَجُ ؛ وَهُوَ لَهُ أَنْفَعُ وَهَذَا يَتَنَوَّعُ ؛ فَرَغْبَةُ عُمُومِ النَّاسِ فِي مَعْرِفَةِ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات مِن الأَعْمَالِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ أَنْفَعُ لَهُمْ .
وَكُلُّ شَخْصٍ مِنْهُمْ يَرْغَبُ فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ وَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ شُبْهَةٌ فَقَدْ تَكُونُ رَغْبَتُهُ فِي عَمَلٍ يُنَافِيهَا أَنْفَعَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا " الْيَقِينُ " فَهُوَ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ ، وَاسْتِقْرَارُ الْعِلْمِ فِيهِ وَهُوَ مَعْنَى مَا يَقُولُونَ : " مَاءٌ يَقَنٌ " إذَا اسْتَقَرَّ عَنْ الْحَرَكَةِ ، وَضِدُّ الْيَقِينِ الرَّيْبُ .
وَهُوَ نَوْعٌ مِن الحَرَكَةِ وَالِاضْطِرَابِ يُقَالُ : رَابَنِي يَرِيبُنِي وَمِنْهُ فِي الْحَدِيثِ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِظَبْيٍ حَاقِفٍ فَقَالَ لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ } ثُمَّ الْيَقِينُ يَنْتَظِمُ مِنْهُ أَمْرَانِ : عِلْمُ الْقَلْبِ ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ .
فَإِنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَعْلَمُ عِلْماً جَازِماً بِأَمْرِ ؛ وَمَعَ هَذَا فَيَكُونُ فِي قَلْبِهِ حَرَكَةٌ وَاخْتِلَاجٌ مِن العَمَلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الْعِلْمُ كَعِلْمِ الْعَبْدِ أَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ ؛ وَلَا خَالِقَ غَيْرُهُ ؛ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ؛ فَهَذَا قَدْ تَصْحَبُهُ الطُّمَأْنِينَةُ إلَى اللَّهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَقَدْ لَا يَصْحَبُهُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ ؛ إمَّا لِغَفْلَةِ الْقَلْبِ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ وَالْغَفْلَةُ هِيَ ضِدُّ الْعِلْمِ التَّامِّ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ضِدّاً لِأَصْلِ الْعِلْمِ ، وَإِمَّا لِلْخَوَاطِرِ الَّتِي تَسْنَحُ فِي الْقَلْبِ مِن الالْتِفَاتِ إلَى الْأَسْبَابِ وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 329
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٢٩