وَالثَّالِثُ : الْعَمَلُ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ قَالَ تَعَالَى : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ .
كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } الْآيَةَ .
وَأَمَّا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن المُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِن المُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ : أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى اللَّهِ ؛ وَأَنَّ الْمُرَادَ ذِكْرُ طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْعَقْلِ ؛ فَتَفْسِيرُ الْآيَةِ بِذَلِكَ خَطَأٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا .
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَرَى الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةَ لِيُبَيِّنَ صِدْقَ الْآيَاتِ الْمَسْمُوعَةِ مَعَ أَنَّ شَهَادَتَهُ بِالْآيَاتِ الْمَسْمُوعَةِ كَافِيَةٌ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَدُلَّ عِبَادَهُ بِالْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ - كَمَا يَظُنُّهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يَظُنُّونَ أَنَّ دَلَالَةَ الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ ، وَالْخَبَرُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ الَّذِي هُوَ الرَّسُولُ ، وَالْعِلْمُ بِصِدْقِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ ؛ وَالْعِلْمِ بِمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ؛ وَالْعِلْمِ بِجَوَازِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ ؛ وَالْعِلْمِ بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ وَيُسَمُّونَ هَذِهِ الْأُصُولَ الْعَقْلِيَّاتِ ؛ لِأَنَّ السَّمْعَ عِنْدَهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ ضَلَالِ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْبِدَعِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ قَرَّرَ فِيهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 331
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٣١