تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
مَا سَمِعْتُمُوهُ مِنْ تُهْمَةِ الْمَلِكِ ، وَلَمَّا عَلِمَتْ الْحُكَّامُ أَنَّ فِي الْقَضِيَّةِ أَمْرَ الْمَلِكِ أَحْجَمُوا وَخَافُوا مِن الكَلَامِ خَوْفاً يَعْذُرُهُمْ اللَّهُ فِيهِ أَوْ لَا يَعْذُرُهُمْ . لَكِنْ لَوْلَا هَذَا لَتَكَلَّمُوا بِأَشْيَاءَ . وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ شَاذّاً أَوْ فِيهِ غَرَضٌ لِذِي سَيْفٍ لَكَانَ عَجَائِبَ . فَقَالُوا يَا مَوْلَانَا مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْمَلِكِ . نَحْنُ مَا نَتَكَلَّمُ . دَعْنَا مِن الكَلَامِ فِي الْمَلِكِ . فَقُلْت : أَيُّهَا النَّائِمُ أُخَلِّيكُمْ مِن المَلِكِ وَهَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي قَدْ مَلَأْتُمْ بِهَا الدُّنْيَا هَلْ أَثَارَهَا إلَّا ذَلِكَ وَنَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا هَذَا بِدِمَشْقَ . لَكِنْ مَا اعْتَقَدْنَا أَنَّ عَاقِلاً يُصَدِّقُ بِذَلِكَ . وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ تُهْمَةُ الْمَلِكِ إذَا ذَكَرَ لَهُمْ بَعْضَ مَا يَقُولُهُ الْمُنَازِعُونَ لِي يَسْتَعْظِمُونَهُ جِدّاً وَيَرَوْنَ مُقَابَلَةَ قَائِلِهَا بِأَعْظَمِ الْعُقُوبَةِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً } . فَيَعْلَمُ أَنِّي لَوْ أَطْلُبُ هَذَا ذَهَبَتْ الطُّيُورُ بِي وَبِبَدْرِ الدِّينِ كُلَّ مَذْهَبٍ ، وَقِيلَ إنَّ بَيْنَنَا فِي الْبَاطِنِ اتِّفَاقَاتٍ . فَأَنَا أَعْمَلُ مَعَهُ مَا أَرْجُو جَزَاءَهُ مِن اللَّهِ وَهُوَ يَعْمَلُ بِمُوجِبِ دِينِهِ . وَأَيْضاً " فَبَدْرُ الدِّينِ " لَا يَحْتَمِلُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَأَذَاهُمْ - مَا يَفْعَلُهُ مِثْلُ هَؤُلَاءِ - رَجُلٌ لَهُ مَنْصِبٌ وَلَهُ أَعْدَاءٌ وَأَنَا - وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ - فَقَدْ فَعَلُوا غَايَةَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ وَمَا بَقِيَ إلَّا نَصْرُ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ رَسُولَهُ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْم يَقُومُ الْأَشْهَادُ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 237 | ابن تيمية