أَحَدُهُمَا : أَنَّ صُنْعَهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَيْسَ مُسْتَغْنِياً عَنْهُ وَلَا قَائِماً بِسِوَاهُ وَلَا خَارِجاً عَنْهُ ؛ فَأُدْخِلَ فِي اسْمِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لَا لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِن المُسَمَّى وَكَثِيراً مَا يَدْخُلُ فِي الِاسْمِ الْجَامِعِ وَالْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ أَشْيَاءُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لَا لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِن المُسَمَّى كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الْفَرَسَ دَخَلَ فِيهِ نَعْلُهُ .
وَلَوْ قَالَ الْقَائِلُ : دَخَلَ زَيْدٌ إلَى دَارِي كَانَتْ ثِيَابُهُ دَاخِلَةً فِي حُكْمِ اسْمِهِ وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ : حَمَلْت زَيْداً وَرَكِبَ زَيْدٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَإِذَا قِيلَ : بَنُو هَاشِمٍ : دَخَلَ فِيهِمْ مَوَالِيهِمْ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ } وَقَدْ يَدْخُلُ فِيهِمْ الْحَلِيفُ وَابْنُ الْأُخْتِ ؛ وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْمَغَازِي .
الِاعْتِبَارُ الثَّانِي : أَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ : جَاءَ الْقَوْمُ مَا خَلَا زَيْداً فَإِنَّ " خَلَا " هُنَا فِعْلٌ نَاقِصٌ مِنْ أَخَوَاتِ " كَانَ " وَزَيْداً مَنْصُوبٌ بِهِ ؛ وَفِيهِ ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ وَذَلِكَ الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى " مَا " أُخْتِ الَّذِي وَهِيَ الْمَوْصُولَةُ ؛ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ صِلَةُ " مَا " وَكَانَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : قَامَ الْقَوْمُ الَّذِينَ هُمْ خَلَا زَيْداً لَكِنَّ " مَا " يَحْتَمِلُ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعَ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى لَفْظِهَا أَكْثَرَ مِنْ مَعْنَاهَا .
فَقَوْلُهُ : رَأَيْت مَا رَأَيْته مِن الرِّجَالِ : أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِك : مَا رَأَيْتهمْ مِن الرِّجَالِ .
وَبَابُ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيْك أَكْثَرُ وَأَفْصَحُ مِنْ قَوْلِهِ : " مَنْ يَسْتَمِعُونَ " وَلِهَذَا قَوِيَ فَصَارَ : مَا خَلَا زَيْداً يَقُومُ مَقَامَ الَّذِي خَلَا وَاَلَّذِينَ خَلَوْا وَاَللَّاتِي خَلَوْنَ وَنَحْوُ ذَلِكَ .
تَقُولُ : قَامَتْ النِّسْوَةُ مَا خَلَا هِنْداً .
وَلَفْظُ " مَا " إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَوْضِعٌ مِن الإِعْرَابِ وَهُوَ الْوَصْفُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 426
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٢٦