العبادة ، لأنه لا يقدر على النعم التي يستحق بها العبادة ، عن الجبائي وغيره
ورابعها : إنه يقول : كما أني لست أول من عبد الله ، فكذلك ليس لله ولد . وهذا
كما تقول : إن كنت كاتبا فأنا حاسب تريد : لست كاتبا ، ولا أنا حاسب ، عن
سفيان بن عيينة . وخامسها . إن معناه لو كان له ولد ، لكنت أول من يعبده ، بأن له
ولدا ، ولكن لا ولد له ، عن السدي وأبي مسلم . وهذا كما يقال : لو دعت الحكمة
إلى عبادة غيره لعبدته ، لكن الحكمة لا تدعو إلى عبادة غيره . ولو دل الدليل على أن
له ولدا ، لقلت به ، ولكنه لا يدل ، فهذا تحقيق لنفي الولد ، وتبعيد له ، لأنه تعليق
محال بمحال .
ثم نزه سبحانه نفسه عن ذلك فقال : ( سبحان رب السماوات والأرض رب
العرش عما يصفون ) أي تنزيها لمالك السماوات والأرض ، وخالقهن ، وخالق
العرش ومدبره ، عما يصفونه به من اتخاذ الولد ، لأن من قدر على ذلك استغنى عن
اتخاذ الولد . ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على وجه التهديد للكفار فقال : ( فذرهم
يخوضوا ) في باطلهم ( ويلعبوا ) في دنياهم ( حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) فيه
بعذاب الأبد ، وهو يوم القيامة . ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) أي هو
الذي تحق له العبادة في السماء ، وتحق له العبادة في الأرض . وإنما كرر لفظ
( إله ) لأمرين أحدهما . التأكيد ليتمكن المعنى في النفس . والثاني : لأن المعنى هو
إله في السماء ، يجب على الملائكة عبادته . وإله في الأرض يجب على الإنس
والجن عبادته . ( وهو الحكيم ) في جميع أفعاله ( العليم ) بمصالح عباده .
* ( وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما ) أي دامت بركته ، فمنه
البركات ، وإيصال السعادات ، وجل عن أن يكون له ولد ، أو شبيه ، من له التصرف
في السماوات والأرض ، وفيما بينهما ، بلا دافع ، ولا منازع ( وعنده علم الساعة )
أي علم يوم القيامة ، لأنه لا يعلم وقته على التعيين غيره ( وإليه ترجعون ) يوم
القيامة ، فيجازي كلا على قدر عمله . * ( ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم
يعلمون [ 86 ] * ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون [ 87 ] * وقيله يا رب
إن هؤلاء قوم لا يؤمنون [ 88 ] * فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون [ 89 ] * ) .
تفسير مجمع البيان — صفحة 97
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٩٧