وارتفعت الشبه ، ولزمتكم الحجج العقلية والسمعية ، فالعقلية : ما في فطرة العقول ،
والسمعية : دعوة الرسول المؤيدة بالأدلة المؤدية إلى المدلول . والذي يبين هذا قوله :
( هو الذي ينزل على عبده ) يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ( آيات بينات ) أي حججا منيرة ،
وبراهين واضحة ( ليخرجكم ) الله بالقرآن والأدلة . وقيل : ليخرجكم الرسول
بالدعوة . وقيل : ليخرجكم المنزل . والأول أوجه ( من الظلمات إلى النور ) أي من
الكفر إلى الإيمان بالتوفيق والهداية والألطاف والأدلة . ( وإن الله بكم لرؤوف رحيم )
حين بعث الرسول ونصب الأدلة . والرأفة والرحمة واحد ، وإنما جمع بينهما للتأكيد .
وقيل : الرأفة النعمة على المضرور ، والرحمة النعمة على المحتاج . وفي هذا دلالة
على بطلان مذهب أهل الجبر ، فإنه بين أن الغرض في إنزال القرآن الإيمان به .
ثم حثهم سبحانه على الانفاق فقال : ( وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ) أي :
أي شئ لكم في ترك الانفاق ، فيما يقرب إلى الله تعالى . ( ولله ميراث السماوات
والأرض ) يعني يفني الخلق ، ويبقى هو ، والمعنى فيه أن الدنيا وأموالها ترجع إلى
الله ، فلا يبقى لأحد فيها ملك ، ولا أمر ، كما يرجع الميراث إلى مستحقيه .
فاستوفوا حظكم من أموالكم ، قبل أن تخرج من أيديكم . ثم بين سبحانه فضل من
سبق بالإنفاق في سبيل الله فقال : ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل
أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ) بين سبحانه أن الانفاق قبل فتح
مكة ، إذا انضم إليه الجهاد أكثر ثوابا عند الله ، من النفقة والجهاد بعد ذلك . وذلك
أن القتال قبل الفتح ، كان أشد ، والحاجة إلى النفقة وإلى الجهاد كان أكثر وأمس .
وفي الكلام حذف تقديره : لا يستوي هؤلاء مع الذين أنفقوا بعد الفتح . فحذف
لدلالة الكلام عليه . وقال الشعبي : أراد فتح الحديبية .
ثم سوى سبحانه بين الجميع ، في الوعد بالخير والثواب في الجنة فقال :
( وكلا وعد الله الحسنى ) أي الجنة والثواب فيها ، وإن تفاضلوا في مقادير ذلك ( والله
بما تعملون خبير ) أي لا يخفى عليه شئ من إنفاقكم ، وجهادكم ، فيجازيكم
بحسب نياتكم ، وبصائركم ، وإخلاصكم في سرائركم .
( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له وله أجر كريم ( 11 ) يوم
ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنت تجرى
تفسير مجمع البيان — صفحة 386
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٨٦