السماوات وما في الأرض ) وهذا اعتراض بين الآية الأولى ، وبين قوله ( ليجزي
الذين أساؤوا بما عملوا ) واللام في ( ليجزي ) تتعلق بمعنى الآية الأولى ، لأنه إذا
كان أعلم بهم ، جازى كلا منهم بما يستحقه ، وذلك لام العاقبة ، وذلك أن علمه
بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم . وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسئ ،
إذا كان كثير الملك ، ولذلك أخبر به في قوله ( ولله ما في السماوات وما في الأرض
ليجزي ) في الآخرة ( الذين أساؤوا ) أي أشركوا بما عملوا من الشرك . ( ويجزي
الذين أحسنوا ) أي وحدوا ربهم ( بالحسنى ) أي الجنة . وقيل : إن اللام في
( ليجزي ) يتعلق بما في قوله ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) لأن المعنى في
ذلك : إنه خلقهم ليتعبدهم ( 1 ) ، فمنهم المحسن ، ومنهم المسئ . وإنما كلفهم
ليجزي كلا منهم بعلمه ( 2 ) عمله . فتكون اللام للغرض .
ثم وصف سبحانه الذين أحسنوا فقال : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم ) أي
عظائم الذنوب ( والفواحش ) جمع فاحشة ، وهي أقبح الذنوب وأفحشها . وقد بينا
اختلاف الناس في الكبائر في سورة النساء . وقد قيل : إن الكبيرة كل ذنب ختم
بالنار ، والفاحشة كل ذنب فيه الحد . ومن قرأ ( كبير الإثم ) : فلأنه يضاف إلى واحد
في اللفظ وإن كان يراد به الكثرة ( إلا اللمم ) اختلف في معناه فقيل : هو صغار
الذنوب كالنظر ، والقبلة ، وما كان دون الزنا ، عن ابن مسعود ، وأبي هريرة ،
والشعبي . وقيل : هو ما ألموا به في الجاهلية من الإثم ، فهو معفو عنه في الاسلام ،
عن زيد بن ثابت . وعلى هذا فيكون الاستثناء منقطعا . وقيل : هو أن يلم بالذنب مرة
ثم يتوب ولا يعود ، عن الحسن والسدي ، وهو اختيار الزجاج . لأنه قال : اللمم هو
أن يكون الانسان قد ألم بالمعصية ، ولم يقم على ذلك . ويدل على ذلك قوله ( إن
ربك واسع المغفرة ) قال ابن عباس : لمن فعل ذلك وتاب ، ومعناه : إن رحمته
تسع ( 3 ) جميع الذنوب لا تضيق عنه ، وتم الكلام هنا .
،
ثم قال : ( هو أعلم بكم ) يعني قبل أن خلقكم ( إذ أنشأكم من الأرض ) أي
أنشأ أباكم آدم من أديم الأرض . وقال البلخي : يجوز أن يكون المراد به جميع
الخلق أي : خلقكم من الأرض عند تناول الأغذية المخصوصة التي خلقها من
هامش
( 1 ) وفي نسخة : ليستعبدهم .
( 3 ) وفي المخطوطة : واسعة تسع .
( 2 ) ليس في النسخ لفظة ( بعلمه ) .