المعنى : لما أخبر سبحانه عما أعده للكافرين والعصاة ، عقبه بذكر ما أعده
للمتقين فقال : ( وأزلفت الجنة للمتقين ) أي : قربت الجنة ، وأدنيت للذين اتقوا
الشرك والمعاصي حتى يروا ما فيها من النعيم . والجنة هي البستان الذي يجمع كل
لذة من الأنهار والأشجار وطيب الثمار ومن الأزواج الكرام ، والحور الحسان ، والخدم
من الولدان ، ومن الأبنية الفاخرة المزينة بالياقوت والزمرد والعقيان ، نسأل الله التوفيق
لما يقرب من رضاه ( غير بعيد ) أي هي قريبة منهم ، لا يلحقهم ضرر ، ولا مشقة
في الوصول إليها . وقيل : معناه ليس ببعيد مجئ ذلك ، لأن كل آت قريب ، ومثله
قول الحسن : كأنك بالدنيا كان لم تكن ، وبالآخرة كأن لم تزل .
( هذا ما توعدون ) أي هذا الذي ذكرناه ، هو ما وعدتم به من الثواب على
ألسنة الرسل ( لكل أواب ) أي تواب رجاع إلى الطاعة ، عن الضحاك وابن زيد .
وقيل : لكل مسبح عن ابن عباس وعطاء . ( حفيظ ) لما أمر الله به متحفظ من
الخروج إلى ما لا يجوز من سيئة تدنسه ، أو خطيئة تحط منه وتشينه . ( من خشي
الرحمن بالغيب ) أي هو من خاف الله وأطاعه ، وآمن بثوابه وعقابه ، ولم يره . وقيل
بالغيب أي : في الخلوة بحيث لا يراه أحد ، عن الضحاك والسدي . ( وجاء بقلب
منيب ) أي : ودام على ذلك حتى وافى الآخرة بقلب مقبل على طاعة الله ، راجع إلى
الله بضمائره .
( ادخلوها بسلام ) أي يقال لهم ادخلوا الجنة بأمان من كل مكروه ، وسلامة من
كل آفة . وقيل : بسلام من الله وملائكته عليهم ( ذلك يوم الخلود ) الوقت الذي
يبقون فيه في النعيم مؤبدين ، لا إلى غاية لهم ما يشاؤون فيها ) أي لهم في الجنة
ما تشتهيه أنفسهم ، ويريدونه من أنواع النعم ( ولدينا مزيد ) أي : وعندنا زيادة على
ما يشاؤونه مما لم يخطر ببالهم ، ولم تبلغهم أمانيهم . وقيل : هو الزيادة على مقدار
استحقاقهم من الثواب بأعمالهم .
ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن ) أي كثيرا
أهلكنا قبل هؤلاء من القرون الذين كذبوا رسلهم ( هم أشد منهم بطشا ) أي الذين
أهلكناهم كانوا أشد قوة من هؤلاء ، وأكثر عدة وعدة ( 1 ) ، ولم يتعذر علينا ذلك ، فما
هامش
( 1 ) في المخطوطة : مدة بدل عدة .