المعنى : ثم قال سبحانه : ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ) إذ يتعلق
بقوله لعذبنا أي : لعذبنا الذين كفروا ، وأذنا لك في قتالهم ، حين جعلوا في قلوبهم
الأنفة التي تحمي الانسان أي : حميت قلوبهم بالغضب . ثم فسر تلك الحمية فقال :
( حمية الجاهلية ) أي عادة آبائهم في الجاهلية ، أن لا يذعنوا لأحد ، ولا ينقادوا له
، وذلك أن كفار مكة قالوا : قد قتل محمد وأصحابه آباءنا وإخواننا ، ويدخلون علينا في
منازلنا ، فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا . واللات والعزى لا
يدخلونها علينا . فهذه الحمية جاهلية التي دخلت قلوبهم . وقيل : هي أنفتهم من
الاقرار لمحمد ( ص ) بالرسالة ، والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم حيث أراد أن
يكتب كتاب العهد بينهم ، عن الزهري .
( فأنزل سكينته على رسولة وعلى المؤمنين والزمهم كلمة التقوى ) وهي
قول ( لا آله الا الله ) ، عن أبن عباس وقتادة ومجاهد . ( وكانوا أحق بها وأهلها )
قيل : أن في تقديما وتأخيرا ، والتقدير : كانوا أهلها وأحق بها أي : كان المؤمنون
أهل تلك الكلمة ، وأحق بها من المشركين . وقيل : معناه وكانوا أحق بنزول السكينة
عليهم ، وأهلها وقيل : وكانوا أحق بمكة أن يدخلوها وأهلها ، وقد يكون حق أحق
من غيره . ألا ترى أن الحق الذي هو طاعة يستحق بها المدح ، أحق من الحق الذي
هو مباح ، لا يستحق به ذلك . ( وكان الله بكل شئ عليما ) لما ذم الكفار بالحمية ،
ومدح المؤمنين بلزوم الكلمة ، بين علمه ببواطن سرائرهم ، وما ينطوي عليه
عقد ضمائرهم .
( لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق ) قالوا : أن الله تعالى أرى نبيه ( ص ) في
المنام في المدينة ، قبل أن يخرج إلى الحديبية ، أن المسلمين دخلوا المسجد الحرام ،
فأخبر بذلك أصحابه ، ففرحوا ، وحسبوا أنهم داخلوا مكة عامهم ذلك . فلما
انصرفوا ، ولم يدخلوا مكة ، قال المنافقون : ما حلقنا ، ولا قصرنا ، ولا دخلنا
المسجد الحرام ! فانزل الله هذه الآية . وأخبره أنه أرى رسوله ( ص ) الصدق في
منامه ، لا الباطل ، وانهم يدخلونه . واقسم على ذلك فقال : ( لتدخلن المسجد
الحرام ) يعني العام المقبل ( أن شاء الله آمنين ) قال أبو العباس ثعلب : استثنى الله
في ما يعلم ليستثني الناس فيما لا يعلمون . وقيل : أن الاستثناء من الدخول ، وكان
بين نزول الآية والدخول مدة سنة ، وقد مات منهم أناس في السنة ، فيكون تقديره :
تفسير مجمع البيان — صفحة 210
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢١٠