حتى انتهوا إلى حصن الوطيح والسلالم ، وكان آخر حصون خيبر ، افتتح ،
وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضع عشرة ليلة . قال ابن إسحاق : ولما افتتح القموص
حصن ابن أبي الحقيق ، أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصفية بنت حيي بن أخطب ، وبأخرى
معها ، فمر بهما بلال ، وهو الذي جاء بهما على قتلى من قتلى يهود . فلما رأتهم
التي معها صفية ، صاحت وصكت وجهها ، وحثت التراب على رأسها . فلما رآها
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : اغربوا عني هذه الشيطانة ، وأمر بصفية فحيزت ( 1 ) خلفه ،
وألقى عليها رداءه . فعرف المسلمون أنه قد اصطفاها لنفسه . وقال صلى الله عليه وآله وسلم لبلال لما
رأى من تلك اليهودية ما رأى : أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمر بامرأتين على
قتلى رجالهما ؟ وكانت صفية قد رأت في المنام ، وهي عروس بكنانة بن الربيع بن
أبي الحقيق ، أن قمرا وقع في حجرها ، فعرضت رؤياها على زوجها ، فقال : ما هذا
إلا أنك تتمنين ملك الحجاز محمد . ولطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها . فأتي
بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبها أثر منها ، فسألها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما هو فأخبرته .
وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . انزل فأكلمك قال : نعم . فنزل
وصالح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة ، وترك الذرية
لهم ، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ، ويخلون بين رسول الله وبين ما كان لهم
من مال وأرض ، على الصفراء والبيضاء ، والكراع ، والحلقة ( 2 ) ، وعلى البز إلا ثوبا
على ظهر انسان . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن
كتمتموني شيئا . فصالحوه على ذلك . فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا ،
بعثوا إلى رسول الله يسألونه أن يسيرهم ، ويحقن دماءهم ، ويخلون بينه وبين
الأموال ، ففعل .
وكان ممن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبينهم في ذلك ، محيصة بن مسعود ،
أحد بني حارثة . فلما نزل أهل خيبر على ذلك ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعاملهم
الأموال على النصف وقالوا : نحو أعلم بها منكم ، وأعمر لها . فصالحهم رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم . وصالحه أهل فدك
على مثل ذلك ، فكانت أموال خيبر فيئا بين المسلمين . وكانت فدك خالصة لرسول
الله ، لأنهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب .
هامش
( 1 ) في المخطوطة : فجرت .
( 2 ) وفي بعض النسخ : الخلفة .