( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ( 1 ) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم
نعمته وعليك ويهديك صراطا مستقيما ( 2 ) وينصرك الله نصرا عزيزا ( 3 ) هو الذي
أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات
والأرض وكان الله عليما حكيما ( 4 ) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنت تجرى من تحتها
الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ( 5 ) ) .
اللغة : الفتح . ضد الإغلاق ، وهو الأصل . ثم استعمل في مواضع فمنها
الحكم والقضاء . ويسمى الحاكم فتاحا . والفتاحة . الحكومة . ومنها النصر
والاستفتاح : الإستنصار . ومنها فتح البلدان ومنها العلم . وقوله : ( عنده مفاتح
الغيب " من ذلك .
المعنى : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) أي قضينا لك قضاء ظاهرا ، عن قتادة .
وقيل : معناه يسرنا لك يسرا بينا ، عن مقاتل . وقيل : معناه أعلمناك علما ظاهرا فيما
أنزلناه عليك من القرآن ، وأخبرناك به من الدين . وقيل : معناه أرشدناك إلى
الاسلام ، وفتحنا لك أمر الدين ، عن الزجاج . ثم اختلف في هذا الفتح على وجوه
أحدها : إن المراد به فتح مكة ، وعده الله ذلك عام الحديبية عند انكفائه منها ، عن
أنس وقتادة ، وجماعة من المفسرين . قال قتادة : نزلت هذه الآية عند مرجع
النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية ، بشر في ذلك الوقت بفتح مكة ، وتقديره : إنا فتحنا لك
مكة أي قضينا لك بالنصر على أهلها . وعن جابر قال : ما كنا نعلم فتح مكة إلا يوم
الحديبية وثانيها . إن المراد بالفتح هنا صلح الحديبية ، وكان فتحا بغير قتال . قال
الفراء : الفتح قد يكون صلحا . ومعنى الفتح في اللغة : فتح المنغلق . والصلح
الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا ، حتى فتحه الله . وقال
الزهري : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية ، وذلك أن المشركين اختلطوا
بالمسلمين ، فسمعوا كلامهم ، فتمكن الاسلام في قلوبهم ، وأسلم في ثلاث سنين
خلق كثير ، فكثر بهم سواد الاسلام . وقال الشعبي : بويع بالحديبية ، وذلك بيعة
الرضوان ، وأطعم نخيل خيبر ، وظهرت الروم على فارس ، وفرح المسلمون بظهور
أهل الكتاب ، وهم الروم ، على المجوس ، إذ كان فيه مصداق قول الله تعالى .
تفسير مجمع البيان — صفحة 182
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٨٢