أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) معناه : إن توليتم الأحكام ووليتم أي :
جعلتم ولاة أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشاء ، وسفك الدم الحرام ، فيقتل بعضكم
بعضا ، ويقطع بعضكم رحم بعض ، كما قتلت قريش بني هاشم ، وقتل بعضهم
بعضا . وقيل : ( إن توليتم ) معناه . إن أعرضتم عن كتاب الله ، والعمل بما فيه ، أن
تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية ، فتفسدوا بقتل بعضكم بعضا . قال قتادة :
كيف رأيتم القوم حين تولوا عن القرآن ؟ ألم يسفكوا الدم الحرام ، وقطعوا الأرحام ،
وعصوا الرحمن ؟
ثم ذم الله سبحانه من يريد ذلك فقال : ( أولئك الذين لعنهم الله ) أي أبعدهم
من رحمته ( فأصمهم وأعمى أبصارهم ) ومعناه : إنهم لا يعون الخبر ، ولا يبصرون
ما به يعتبرون ، فكأنهم صم عمي ، عن أبي مسلم . وقيل : إنهم في الآخرة لا
يهتدون إلى الجنة بمنزلة الأصم الأعمى في الدنيا ، عن أبي علي الجبائي . ولا يجوز
حمله على الصمم والعمى في الجارحة ، بلا خلاف ، لأنهم لو كانوا كذلك ، لما
ذموا على أنهم لا يسمعون ولا يبصرون ، وإنما أطلق الصمم ، لأنه لا يكون إلا في
الأذن ، وقرن العمى بالأبصار ، لأنه قد يكون بالبصر وبالقلب .
( أفلا يتدبرون القرآن ) بأن يتفكروا فيه ، ويعتبروا به . وقيل : أفلا يتدبرون
القرآن ، فيقضوا ما عليهم من الحق ، عن أبي عبد الله ( ع ) وأبي الحسن
موسى ( ع ) . ( أم على قلوب أقفالها ) معنى تنكير القلوب إرادة قلوب هؤلاء ، ومن
كان مثلهم من غيرهم . وفي هذا دلالة على بطلان قول من قال : لا يجوز تفسير شئ
من ظاهر القرآن إلا بخبر وسمع . وفيه تنبيه أيضا على فساد قول من يقول : إن
الحديث ينبغي أن يروى على ما جاء ، وإن كان مخالفا لأصول الديانات في المعنى ،
لأنه سبحانه دعا إلى التدبر والتفكر ، وذلك مناف للتعامي والتجاهل .
ثم قال سبحانه : ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم ) أي رجعوا عن الحق
والإيمان ( من بعد ما تبين لهم الهدى ) أي من بعد ما بان لهم طريق الحق ، وهم
المنافقون ، عن ابن عباس والضحاك والسدي ، كانوا يؤمنون عند النبي ( ص ) ، ثم
يظهرون الكفر فيما بينهم ، فتلك ردة منهم . وقيل : هم كفار أهل الكتاب ، كفروا
بمحمد ( ص ) وقد عرفوه ، ووجدوا نعته مكتوبا عندهم ، عن قتادة . وليس في هذا
دلالة على أن المؤمن قد يكفر ، لأنه لا يمتنع أن يكون المراد من رجع في باطنه عن
تفسير مجمع البيان — صفحة 174
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٧٤