الزجاج . كل ذلك منه تفضل وإحسان . ويحسن الوقف على قوله ( جميعا ) ، ثم
يقول ( منه ) أي ذلك التسخير منه ، لا من غيره ، فهو فضله وإحسانه . وروي عن
ابن عباس ، وعبد الله بن عمر ، والجحدري أنهم قرأوا ( منة ) منصوبة ومنونة . وعلى
هذا فيكون من باب تبسمت وميض البرق . فكأنه قال : من عليهم منة ، وروي عن
سلمة أنه قرأ ( منة ) بالرفع ، وعلى هذا فيكون خبر مبتدأ محذوف أي : ذلك منة ، أو
هو منة ، أو يكون على معنى سخر لكم ذلك منة .
( إن في ذلك لآيات ) أي دلالات ( لقوم يتفكرون ) . ثم خاطب سبحانه
نبيه ( ص ) فقال : ( قل ) يا محمد ( للذين آمنوا يغفروا ) هذا جواب أمر محذوف ،
دل عليه الكلام وتقديره : قل لهم اغفروا يغفروا . فصار قل لهم على هذا الوجه يغني
عنه ، عن علي بن عيسى . وقيل : معناه قل للذين آمنوا اغفروا ، ولكنه شبه بالشرط
والجزاء كقوله : ( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ) عن الفراء . وقيل : يغفروا
تقديره : يا هؤلاء اغفروا . فحذف المنادى كقوله . ( ألا يا اسجدوا لله ) . وقول
الشاعر : ( ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد ) ( 1 ) . ( للذين لا يرجون أيام الله ) أي لا
يخافون عذاب الله إذا نالوكم بالأذى والمكروه ، ولا يرجون ثوابه بالكف عنكم . وقد
مر تفسير أيام الله عند قوله : ( وذكرهم بأيام الله ) . ومعنى يغفروا ههنا : يتركوا
مجازاتهم على أذاهم ، ولا يكافؤوهم ليتولى الله مجازاتهم . ( ليجزي قوما بما كانوا
يكسبون ) بيان هذا الجزاء في الآية التي تليها ، وهو قوله : ( من عمل صالحا ) أي
طاعة وخيرا وبرا ( فلنفسه ) لأن ثواب ذلك يعود عليه ( ومن أساء فعليها ) أي فوبال
إساءته على نفسه ( ثم إلى ربكم ترجعون ) يوم القيامة أي إلى حيث لا يملك أحد
النفع والضر ، والنهي والأمر ، غيره سبحانه ، فيجازي كل انسان على قدر عمله .
ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات
وفضلناهم على العالمين ( 16 ) وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من
بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا
فيه يختلفون ( 17 ) ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء
هامش
( 1 ) جمع الدملوج : حلي يلبس في المعصم . والعقد : القلادة .