بالأموات ، وتارة بالصم ، لأنهم لا ينتفعون بدعاء الداعي ، فكأنهم لا يسمعونه .
( إذا ولوا مدبرين ) أي : إذا أعرضوا عن أدلتنا ، ذاهبين إلى الضلال والفساد ، غير
سالكين سبيل الرشاد . ( وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ) يعني : إنهم كالعمي
لا يهتدون بالأدلة ، ولا تقدر على ردهم عن العمى ، إذ لم يطلبوا الإستبصار . ( إن
تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ) ليس تسمع إلا من يصدق بآياتنا وأدلتنا ، فإنهم المنتفعون
بدعائك وإسماعك . ( فهم مسلمون ) منقادون لأمر الله .
ثم عاد سبحانه إلى ذكر الأدلة فقال : ( الله الذي خلقكم من ضعف ) أي : من
نطف . وقيل : معناه خلقكم أطفالا لا تقدرون على البطش ، والمشي ،
والتصرفات . ( ثم جعل من بعد ضعف قوة ) أي : شبابا . ( ثم جعل من بعد قوة
ضعفا وشيبة ) يعني : حال الشيخوخة ، والكبر ( يخلق ما يشاء ) من ضعف وقوة
( وهو العليم ) بما فيه مصالح خلقه ( القدير ) على فعله بحسب ما يعلمه من
المصلحة .
ثم بين سبحانه حال البعث فقال : ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ) أي :
يحلف المشركون ( ما لبثوا ) في القبور ( غير ساعة ) واحدة ، عن الكلبي ، ومقاتل .
وقيل : يحلفون ما مكثوا في الدنيا غير ساعة لاستقلالهم مدة الدنيا . وقيل :
يحلفون ما لبثوا بعد انقطاع عذاب القبر غير ساعة ، عن الجبائي . ومتى قيل : كيف
يحلفون كاذبين مع أن معارفهم في الآخرة ضرورية ؟ قيل فيه أقوال أحدها : إنهم
حلفوا على الظن ، ولم يعلموا لبثهم في القبور ، فكأنهم قالوا : ما لبثنا غير ساعة في
ظنوننا ، عن أبي علي ، وأبي هاشم . وثانيها : إنهم استقلوا الدنيا لما عاينوا من أمر
الآخرة ، فكأنهم قالوا : ما الدنيا في الآخرة إلا ساعة ، فاستقلوا حيث اشتغلوا في
المدة اليسيرة بما أوردهم تلك الأهوال الكثيرة وثالثها : إن ذلك يجوز أن يقع منهم
قبل إكمال عقولهم ، عن أبي بكر بن الإخشيد . ( كذلك كانوا يؤفكون ) في دار
الدنيا أي : يكذبون . وقيل : يصرفون . صرفهم جهلهم عن الحق في الدارين . ومن
استدل في هذه الآية على نفي عذاب القبر ، فقد أبعد لما بينا أنه يجوز أن يريدوا أنهم
. لم يلبثوا بعد عذاب الله إلا ساعة .
( وقال الذين أوتوا العلم والأيمن لقد لبثتم في كتب الله إلى يوم البعث
تفسير مجمع البيان — صفحة 71
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٧١