موضع نصب على الحال من ( يحيي ) ، وذو الحال الضمير المستكن في يحيي أو
الأرض ، والتقدير : أمبدعا يحيي الأرض أم لا ، أو مبدعة يحيي الأرض أم لا .
ويجوز أن يكون على تقدير المصدر أي : أي إحياء يحيي الأرض . قال ابن جني :
والجملة منصوبة الموضع على الحال ، حملا على المعنى ، لا على اللفظ ، وذلك
أن اللفظ استفهام ، والحال ضرب من الخبر . والاستفهام والخبر معنيان متدافعان ،
وتلخيص كونها حالا أنه كأنه قال : فانظر إلى آثار رحمة الله محيية للأرض ، كما أن
قوله :
ما زلت أسعى بينهم ، وأختبط ، * حتى إذا جاء الظلام المختلط
جاؤوا بضيح هل رأيت الذئب قط ( 1 )
فقوله : ( هل رأيت الذئب قط ) جملة استفهامية في موضع وصف لضيح ، حملا
على المعنى دون اللفظ ، فكأنه قال : جاؤوا بضيح يشبه لونه لون الذئب . والضيح :
اللبن المخلوط بالماء ، وهو يضرب إلى الخضرة والطلسة .
المعنى : ولما وعد الله سبحانه وأوعد ، فكأن قائلا قال : ما أصل ما يجزي الله
عليه بالخير ، فقيل : العبادة . وأصل عبادة الله معرفته ، ومعرفته إنما تكون بأفعاله ،
فقال : ( ومن آياته ) أي : ومن أفعاله الدالة علن معرفته ( أن يرسل الرياح مبشرات )
بالمطر ، فكأنها ناطقات بالبشارة لما فيها من الدلالة عليه ، وإرسال الرياح تحريكها
وإجراؤها في الجهات المختلفة ، تارة شمالا ، وتارة جنوبا ، صبا وأخرى دبورا ، على
حسب ما يعلم الله في ذلك من المصلحة . ( وليذيقكم من رحمته ) أي : وليصيبكم
من نعمته ، وهي الغيث ، وتقديره إنه يرسل الرياح للبشارة والإذاقة من الرحمة .
( ولتجري الفلك ) بها ( بأمره ولتبتغوا من فضله ) أي : ولتطلبوا بركوب السفن
الأرياح . وقيل : لتطلبوا بالأمطار فيما تزرعونه من فضل الله ( ولعلكم تشكرون )
نعمة الله . تلطف سبحانه بلفظ ( لعلكم ) في الدعاء إلى الشكر ، كما تلطف في
الدعاء إلى البر بقوله ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) .
هامش
( 1 ) نسبه في ( جامع الشواهد ) إلى أحمد الرجاز ، ونسبه بعض إلى رؤبة بن العجاج ، وقال في ( شرح
الأشموني ) : ( ومن الناس من ينسب الرجز للعجاج بن رؤبه الراجز المشهور . ومنهم من يقول
لرجل ، ولم يعينوه ) ( انتهى ) . يصف الراجز قوما نزل بهم فأطالوا انتظاره في إطعامه . ثم جاؤوه
بضيح . وفي ( جامع الشواهد ) ، وغيره : ( جاؤوا بمذق ) ، ومعناهما واحد .