( إني أخاف أن يبدل دينكم ) إن لم أقتله ، وهو ما تعتقدونه من إلهيتي ( أو أن
يظهر في الأرض الفساد ) بان يتبعه قوم ، ويحتاج إلى أن نقاتله ، فيخرب فيما بين
ذلك البلاد ، ويظهر الفساد . وقيل : إن الفساد عند فرعون أن يعمل بطاعة الله ، عن
قتادة . فلما قال فرعون هذا ، استعاذ موسى بربه ، وذلك قوله : ( وقال موسى إني
عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ) أي : إني اعتصمت بربي
الذي خلقني ، وربكم الذي خلقكم ، من شر كل متكبر على الله ، متجبر عن الانقياد
له ، لا يصدق بيوم المجازاة ، ليدفع شره عني .
ولما قصد فرعون قتل موسى وعظهم المؤمن من آله ، وهو قوله : ( وقال رجل
مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ) في صدره على وجه التقية . قال أبو عبد الله عليه السلام :
التقية من ديني ودين آبائي ، ولا دين لمن لا تقية له . والتقية ترس الله في الأرض ،
لأن مؤمن آل فرعون لو أظهر الاسلام لقتل . قال ابن عباس : لم يكن من آل فرعون
مؤمن غيره ، وغير امرأة فرعون ، وغير المؤمن الذي أنذر موسى ، فقال : ( إن الملأ
يأتمرون بك ليقتلوك ) قال السدي ومقاتل : كان ابن عم فرعون ، وكان آمن بموسى ،
وهو الذي جاء من أقصى المدينة يسعى . وقيل : إنه كان ولي عهده من بعده ، وكان
اسمه حبيب . وقيل : اسمه حزبيل .
( أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ) وهو استفهام إنكار ، ولو قال : أتقتلون رجلا
قائلا ربي الله ، لم يدل على أن القتل من أجل الإيمان ، لأن ( يقول ) يكون صفة
لرجل نحو : يقتلون رجلا قائلا ربي الله . فموضع ( أن يقول ) نصب على أنه مفعول
له . ( وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) أي : بما يدل على صدقه من المعجزات ،
مثل العصا واليد وغيرهما . ( وإن يك كاذبا فعليه كذبه ) إنما قال هذا على وجه
التلطف ، كقوله : ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) ومعناه : إن يك كاذبا
فعلى نفسه وبال كذبه .
( وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ) قيل : إن موسى كان يعدهم
بالنجاة إن آمنوا ، وبالهلاك إن كفروا . وقال : ( يصبكم بعض الذي يعدكم ) لأنهم
إذا كانوا على إحدى الحالين ، نالهم أحد الأمرين ، فذلك بعض الأمر لا كله .
وقيل : إنما قال ( بعض الذي يعدكم ) لأنه توعدهم أمورا مختلفة منها الهلاك في
الدنيا ، والعذاب في الآخرة ، فيكون هلاكهم في الدنيا بعض ما توعدهم به . وقيل :
تفسير مجمع البيان — صفحة 437
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٣٧