استعمل البعض في موضع الكل ، تلطفا في الخطاب ، وتوسعا في الكلام ، كما قال
الشاعر :
قد يدرك المتأني بعض حاجته ، وقد يكون من المستعجل الزلل
وكأنه قال : أقل ما فيه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم ، وفي ذلك البعض
هلاككم . وقال علي بن عيسى : إنما قال ( بعض الذي يعدكم ) على المظاهرة
بالحجاج أي : إنه يكفي بعضه ، فكيف جميعه . ( إن الله لا يهدي من هو مسرف
كذاب ) أي : لا يهدي إلى جنته وثوابه من هو مسرف على نفسه ، متجاوز عن الحد
في المعصية ، كذاب على ربه . ويجوز أن يكون هذا حكاية عن قول المؤمن .
ويجوز أن يكون ابتداء الكلام من الله تعالى .
ثم ذكرهم هذا المؤمن ما هم فيه من الملك ، ليشكروا الله على ذلك بالإيمان
به ، فقال : ( يا قوم لكم الملك اليوم ) أي : لكم السلطان على أهل الأرض ، يعني
أرض مصر اليوم ( ظاهرين في الأرض ) أي : عالين فيها ، غالبين عليها ، قاهرين
لأهلها ( فمن ينصرنا من بأس الله ) أي : من يمنعنا من عذاب الله ( إن جاءنا )
ومعناه : لا تتعرضوا لعذاب الله بقتل النبي وتكذيبه ، فلا مانع من عذاب الله إن حل
بكم . ف ( قال فرعون ) عند ذلك ( ما أريكم إلا ما أرى ) أي : ما أشير عليكم إلا
بما أراه صوابا ، وأرضاه لنفسي . وقيل : معناه ما أعلمكم إلا ما أعلم ( وما أهديكم
إلا سبيل الرشاد ) وما أرشدكم إلا إلى ما هو طريق الرشاد ، والصواب عندي ، وهو
قتل موسى ، والتكذيب به ، واتخاذي إلها وربا .
ثم ذكرهم ما نزل بمن قبلهم ، وذلك قوله . ( وقال الذي امن يا قوم إني أخاف
عليكم مثل يوم الأحزاب ) أي : عذابا مثل يوم الأحزاب . قال الجبائي : القائل
لذلك موسى ، لأن المؤمن من آل فرعون . كان يكتم إيمانه . وهذا لا يصح لأنه
قريب من قوله : ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) وأراد بالأحزاب الجماعات التي
تحزبت على أنبيائها بالتكذيب ، وقد يطلق اليوم على النعمة والمحنة ، فكأنه قال :
يوم هلاكهم . ( مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد
( 31 ) ويقوم إني أخاف عليكم يوم التناد ( 32 ) يوم تولون مدبرين ما لكم من الله
تفسير مجمع البيان — صفحة 438
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٣٨