أمس قبل ما يكون اليوم ، مثله قول الشاعر .
ولقد ساد ، ثم ساد أبوه ، * ثم قد ساد قبل ذلك جده
وثانيها : إنه معطوف على معنى واحدة ، فكأنه قال : خلقكم من نفس واحدة ،
أوجدها وحدها . ثم جعل منها زوجها وثالثها : إنه خلق الذرية في ظهر آدم ،
وأخرجها من ظهره كالذر ثم خلق من بعد ذلك حواء من ضلع من أضلاعه ، على ما
ورد في الأخبار . وهذا ضعيف ، وقد مضى الكلام عليه . ( وأنزل لكم من الأنعام
ثمانية أزواج ) اختلف في معناه على وجوه . أحدها : إن معنى الإنزال هنا الإحداث
والإنشاء ، كقوله ( وقد أنزلنا عليكم لباسا ) ولم ينزل اللباس ، ولكن أنزل الماء الذي
هو سبب القطن ، والصوف ، واللباس يكون منهما . فكذلك الأنعام تكون بالنبات ،
والنبات يكون بالماء والثاني : إنه أنزلها بعد أن خلقها في الجنة ، عن الجبائي ،
قال : وفي الخبر الشاة من دواب الجنة ، والإبل من دواب الجنة . والثالث : إن
المعنى جعلها نزلا ورزقا لكم . ويعني بالأزواج الثمانية من الأنعام : الإبل والبقر
والغنم والضأن والمعز ، من كل صنف اثنان ، هما زوجان ، وهو مفسر في سورة
الأنعام .
( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ) نطفة ، ثم علقة ، ثم
مضغة ، ثم عظاما ، ثم يكسو العظام لحما ، ثم ينشئ خلقا آخر ، عن قتادة ومجاهد
والسدي . وقيل : خلقا في بطون الأمهات بعد الخلق في ظهر آدم ، عن ابن زيد .
( في ظلمات ثلاث ) : ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة ، عن
ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد ، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام .
وقيل : ظلمة الليل ، أو ظلمة صلب الرجل ، وظلمة الرحم ، وظلمة البطن . ثم
خاطب سبحانه خلقه فقال : ( ذلكم الله ) الذي خلق هذه الأشياء ( ربكم ) الذي
يملك التصرف فيكم ( له الملك ) على جميع المخلوقات ( لا اله إلا هو فانى
تصرفون ) عن طريق الحق بعد هذا البيان مثل قوله : ( فانى تؤفكون ) .
( إن تكفروا ) أي : تجحدوا نعمة الله تعالى ، ولم تشكروه ( فإن الله غني
عنكم ) وعن شكركم ، فلا يضره كفركم ( ولا يرض لعباده الكفر ) وفي هذا أوضح
دلالة على أنه سبحانه لا يريد الكفر الواقع من العباد ، لأنه لو أراده لوجب متى وقع أن
تفسير مجمع البيان — صفحة 387
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٨٧